تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 270

مساهمون:

ص٢٧٠
اقناع منكري الملائكة بوجودهم ، بتعبير مألوف عندهم تقبله عقولهم ، وقد اهتدى به كثيرون ، وضل به آخرون فأنكروه عليه وزعموا أنه جعل الملائكة قوى لا تعقل فرد عليهم كتابة بما نصه بحروفه . [ ولست أحيط علما بما فعلت العادة والتقاليد في أنفس بعض من يظنون أنهم من المتشددين في الدين إذ ينفرون من هذه المعاني كما ينفر المرضى أو المخدجون من جيد الأطعمة التي لا تضرهم ، وقد يتوقف عليها قوام بنيتهم ، ويتشبثون بأوهام مألوفة لهم تشبث أولئك المرضى والمخدجين بأضر طعام يفسد الأجسام ، ويزيد السقام . لا أعرف ما الذي فهموه من لفظ روح أو ملك ، وما الذي يتخيلونه من مفهوم لفظ قوة ، أليس الروح في الآدمي مثلا هذا الذي يظهر لنا في أفراد هذا النوع بالعقل والحس والوجدان والإرادة والعمل ، وإذا سلبوه سلبوا ما يسمى بالحياة ؟ أو ليست القوة هي ما تصدر عنه الآثار فيمن وهبت له ، فإذا سمى الروح لظهور أثره قوة ، أو سميت القوة لخفاء حقيقتها روحا ، فهل يضر ذلك بالدين ، أو ينقص معتقده شيئا من اليقين ؟ ألا لا يسمى الايمان إيمانا ، حتى يكون إذعانا ، ولا يكون كذلك حتى يستسلم الوجدان ، وتخشع الأركان ، لذلك السلطان الذي تعلق به الايمان ، ولا يكون كذلك حتى يلقى الوهم سلاحه ، ويبلغ العقل فلاحه ، وهل يستكمل ذلك لمن لا يفهم ما يمكنه فهمه ، ولا يعلم ما يتيسر له علمه ؟ كلا إنما يعرف الحق أهله ، ولا يضل سبله ، ولا يعرف أهل الغفلة . لو أن مسكينا من عبدة الألفاظ من أشدهم ذكاء وأذربهم لسانا ، أخذ بما قيل له إن الملائكة أجسام نورانية قابلة للتشكل « 1 »
هامش
( 1 ) هذا هو التعريف المشهور في كتب الكلام وغيرها وأول ما يعترض به عليه أنه لا يصح فيه معنى الجسم في اللغة ولكنه صار مألوفا وإن لم يكن مفهوما .