تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 268

مساهمون:

ص٢٦٨
سمى في لسان الشرع ملكا ، ومن لم يبال في التسمية بالتوقيف يسمى هذه المعاني القوى الطبيعية إذا كان لا يعرف من عالم الامكان إلا ما هو طبيعة أو قوة يظهر أثرها في الطبيعة . والأمر الثابت الذي لا نزاع فيه هو أن في باطن الخلقة أمرا هو مناطها ، وبه قوامها ونظامها ، لا يمكن لعاقل أن ينكره ، وان أنكر غير المؤمن بالوحي تسميته ملكا وزعم أنه لا دليل على وجود الملائكة ، أو أنكر بعض المؤمنين بالوحي تسميته قوة طبيعية أو ناموسا طبيعيا لأن هذه الأسماء لم ترد في الشرع - فالحقيقة واحدة والعاقل من لا تحجبه الأسماء عن المسميات [ وان كان المؤمن بالغيب يرى للأرواح وجودا لا يدرك كنهه ، والذي لا يؤمن بالغيب يقول لا أعرف الروح ولكن أعرف قوة لا أفهم حقيقتها . ولا يعلم الا اللّه علام يختلف الناس ؟ وكل يقر بوجود شئ غير ما يرى ويحسّ ويعترف بأنه لا يفهمه حق الفهم ، ولا يصل بعقله إلى ادراك كنهه ، وما ذا على هذا الذي يزعم أنه لا يؤمن بالغيب وقد اعترف بما غيّب عنه لو قال : أصدق بغيب أعرف أثره ، وإن كنت لا أقدره قدره ، فيتفق مع المؤمنين بالغيب ، ويفهم بذلك ما يرد على لسان صاحب الوحي ، ويحظى بما يحظى به المؤمنون ؟ ] . يشعر كل من فكر في نفسه ووازن بين خواطره عندما يهم بأمر فيه وجه للحق أو للخير ، ووجه للباطل أو للشر ، بأن في نفسه تنازعا كأن الأمر قد عرض فيها على مجلس شورى ، فهذا يورد وذاك يدفع ، واحد يقول : افعل وآخر يقول لا تفعل ، حتى ينتصر أحد الطرفين ، ويترجح أحد الخاطرين ، فهذا الشئ الذي أودع في أنفسنا ، ونسميه قوة وفكرا - وهو في الحقيقة معنى لا يدرك كنهه ، وروح لا تكتنه حقيقتها - لا يبعد أن يسميه اللّه تعالى ملكا ( أو يسمى أسبابه ملائكة ) أو ما شاء من الأسماء ، فان التسمية لا حجر فيها على الناس فكيف يحجر فيها على صاحب الإرادة المطلقة والسلطان النافذ والعلم الواسع ؟ ( وأقول ) إن الامام الغزالي سبق إلى بيان هذا المعنى وعبر عنه بالسبب وقال إنه سمى ملكا فإنه بعد ما قسم الخواطر إلى محمود ومذموم قال « ثم إنك تعلم أن هذه الخواطر حادثة ، ثم إن كل حادث فلا بد له من محدث ، ومهما اختلفت
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 268 | الشيخ محمد رشيد رضا