تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 267

مساهمون:

ص٢٦٧
إن إلهام الخير والوسوسة بالشر مما جاء في لسان صاحب الوحي ( ص ) وقد أسندا إلى هذه العوالم الغيبية ، وخواطر الخير التي تسمى إلهاما وخواطر الشر التي تسمى وسوسة كل منهما محله الروح فالملائكة والشياطين إذن أرواح تتصل بأرواح الناس فلا يصح أن تمثل الملائكة بالتماثيل الجثمانية المعروفة لنا [ لأن هذه لو اتصلت بأرواحنا ، فإنما تتصل بها من طرق أجسامنا ، ونحن لا نحس بشئ يتصل بأبداننا لا عند الوسوسة ولا عند الشعور بداعي الخير من النفس ، فاذن هي من عالم غير عالم الأبدان قطعا ] والواجب على المسلم في مثل الآية : الايمان بمضمونها مع التفويض أو الحمل على أنها حكاية تمثيل ؛ ثم الاعتبار بها بالنظر في الحكم التي سيقت لها القصة ( وأقول ) إن اسناد الوسوسة إلى الشياطين معروف في الكتاب والسنة ، وأما اسناد إلهام الحق والخير إلى الملائكة فيؤخذ من خطاب الملائكة لمريم عليها السّلام ، ومن حديث الشيخين في المحدّثين وكون عمر منهم - والمحدثون يفتح الدال وتشديدها الملهمون - ومن حديث الترمذي والنسائي وابن حبان وهو « إن للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة . فأما لمة الشيطان فايعاد بالشر وتكذيب بالحق ، وأما لمة الملك فايعاد بالخير وتصديق بالحق ، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من اللّه فليحمد اللّه على ذلك ، ومن وجد الأخرى فليتعوذ باللّه من الشيطان ثم قرأ
( الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ )
قال الترمذي حسن غريب لا نعلمه مرفوعا إلا من حديث أبي الأحوص . والرواية « إيعاد » في الموضعين كما أن الآية من الثلاثي في الموضعين ، فما قالوه في التفرقة بين الوعد والايعاد أغلبى فيما يظهر ؛ وإلا فهو غير صحيح . واللمة بالفتح الالمام بالشئ والإصابة . ( قال الأستاذ ) وذهب بعض المفسرين مذهبا آخر في فهم معنى الملائكة وهو أن مجموع ما ورد في الملائكة من كونهم موكلين بالاعمال من إنماء نبات وخلقة حيوان وحفظ إنسان وغير ذلك فيه ايماء إلى الخاصة بما هو أدق من ظاهر العبارة ، وهو أن هذا النمو في النبات لم يكن الا بروح خاص نفخه اللّه في البذرة فكانت به هذه الحياة النباتية المخصوصة ، وكذلك يقال في الحيوان والانسان ، فكل أمر كلى قائم بنظام مخصوص تمت به الحكمة الآلهية في إيجاده فإنما قوامه بروح الهى
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 267 | الشيخ محمد رشيد رضا