لأن فيهم بقية من الرجاء ورمقا من الحياة ؛ يوجههم إلى الاقتباس من نور الهداية كلما أضاءت لهم بروقها ، والمشي في الجادة كلما استبانوا طريقها ، ولكن تحول دون ذلك ظلمات التقاليد العارضة ، وتقف في السبيل عقبات البدع المعارضة ، وقد يعدهم لاستماع قوارع الآيات التي تنذرهم بما حرفوا ، وصوادع الحجج التي تبين لهم كيف انحرفوا ، ولا يصدهم عنها إلا أنها نزعجهم إلى ترك ما صنفوا وألفوا ، وهجر ما أحبوا وألفوا ، وعدم المبالاة بسنة الآباء ، وقلة الاحتفال بعظمة الرؤساء ، فهم يتراوحون بين الخوف والرجاء ، مذبذبين بين أهل الجحود وأهل اليقين ( لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ) ، ولا ينقطع منهم الأمل ، حتى ينقطع بهم الأجل .
ألا تراهم عندما يقرع أسماعهم من كتاب ربهم ما يبين فساد سيرتهم ، والتواء طريقتهم ، كقوله تعالى في النعي على أمثالهم : وحكاية ما لم يرضه من أقوالهم ، ( 43 ) بل قالوا
إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ )
الخ : وقوله في بيان ندمهم على التقليد ، عندما يحل بهم الوعيد ، ( 33
رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا )
يأخذهم الزلزال ، ويتولاهم الاضطراب والقلق ، وتنشق لهم الظلمة عن فلق ، ويلمع في نفوسهم نور الهداية الفطرية فيمشون فيه خطوات ، ثم تحيط بهم الظلمات ، وينقطع بهم الطريق كما ألمعنا آنفا . وأسباب غلبة الظلمات على النوور هي موافقة ما عليه الجمهور ؛ والاخلاد إلى الهوى ؛ وتفضيل عرض هذا الأدني ؛ وانتظار المغفرة ولو بما تأولوه في معنى الشفاعة ؛ وتمنى الربح من غير بضاعة ( 7 : 169
يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ : سَيُغْفَرُ لَنا - وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ - أَ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا ما فِيهِ ؟ )
بلى هو عندهم مدروس بجدليات النحو والكلام ؛ ولكنه دارس الصوى والاعلام ؛ المنصوبة لهداية القلوب والأحلام ومقروء بالتجويد والانغام ؛ ولكنه متروك الحكم والأحكام ؛ يقرؤنه لكسبب الحطام ؛ لا لمعرفة الحلال والحرام ، ولا يتلونه لاصلاح القلب واللسان ؛ بتزكية النفس وتغذية الايمان ؛ ويكتبونه لشفاء الأبدان من الأسقام ، لا لشفاء ما في الصدور من الأوهام والآثام ، ولو كان له أنصار يدعون إليه ؛ وهداة يعتصمون به ويعولون عليه ؛ لتبددت الظلمات أمام الأنوار ، ومحت آية الليل آية النهار .