تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
المرشدون إليها من الحجج القاطعة ، والدلائل الناصعة ، فلا يصيخون إلى وعظ واعظ ، ولا يصغون لتنبيه منبه ، « فما أضيع البرهان عند المقلد » بل لا يسمعون وإن أصاخوا ، ولا يفقهون إن سمعوا ، فكأنهم صم لم يسمعوا - وفقدوا منفعة الاسترشاد بالقول وطلب الحكمة من معاهدها ، فلا يسألون بيانا ، ولا يطلبون برهانا ، وفقدوا خير منافع الأبصار ، وهو نظر الاستفادة والاعتيار ، فلا يرون ما يحل بهم من الفتن فينزجروا ، ولا يبصرون ما تتقلب به أحوال الأمم فيعتبروا ،
فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ
عن ضلالتهم ، ولا يخرجون من ظلماتهم ، لأن من وقع في أرض فلاة في ليلة مظلمة وفقد فيها جميع حواسه لا يمكنه أن يسمع صوتا يهتدى به ، ولا أن يصيح هو لينقذه من يسمعه ، ولا أن يرى بارقا يؤمه ويقصده ، فهو لا يرجع من تيهه ، بل يظل يعمه في الظلمات ، حتى يفترسه سبع ضار ، أو يصل إلى شفاجرف هار ، فينهار به في شر قرار
( وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ ) *
* * * ( 19 )
أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ ، وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ
( 20 )
يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ ، كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا . وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ . وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
* * * هذا هو مثل الفريق الثاني من هذا الصنف من الناس ، الذي كان أفراده ولا يزالون فتنة للبشر ، ومرضا في الأمم ، وحجة على الدين ، لأنهم بغرورهم بتقاليدهم التي اكتفوا بها من دينهم الموروث ، يعبثون بعقولهم ؛ ويلهون بخيالاتهم ؛ ويجنون على مشاعرهم ومداركهم فيضعفونها ، ويصارعون الفطرة الإلهية فيصرعوتها ؛ حتى يكون بعضهم كالجمادات
( صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ )
كما تقدم في المثل الأول ؛ ويألف البعض الآخر الظلمة بطول التقليد ، ويكون أفراده في نور البرهان كالخفا فيش في نور الشمس ؛ ولكنهم أمثل من الفريق الذي ضرب له المثل الأول