تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 170

مساهمون:

ص١٧٠
أقول : استوقد النار طلب وقودها بفعله أو فعل غيره ، وقالوا : إنه بمعنى أوقدها ويرجع إلى الأول بأنه طلب باضرامها وايرائها أن تقد . يقال : وقدت النار تقد وتوقدت واتقدت واستوقدت - لازم - ومعني الجملة في منافقى اليهود قد تقدم آنفا بالإجمال ، وسيجئ تفصيله . وأما منافقو العرب - الذين قال تعالى فيهم من سورتهم ( 63 : 3
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا )
الآية - فيقال فيهم : مثلهم وصفتهم في إسلامهم أولا وكفرهم آخرا كمثل فريق من الناس أوقد نارا لينتفع بها في ليلة حالكة الظلام ، ويبصر ما حوله مما عساه يضره ليتقيه ، أو ينفعه ليجتنيه
فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ
يقال ضاءت النار والشمس وأضاءت - لازم - ويقال ضاء المكان وأضاءته النار أي أظهرته بضوئها . قال العباس ( رض ) في النبي صلّى اللّه عليه وسلّم
وأنت لما ظهرت أشرقت الأر * ض وضاءت بنورك الأفق
والمعنى المتبادر : فلما أضاءت النار ما حوله من الأمكنة والأشياء وتمكن من الانتفاع بها والاستضاءة بنورها
ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ
باطفاء نارهم بنحو مطر شديد نزل عليها ، أو عاصف من الريح حرفها وبددها ، وهذا بالنسبة إلى المثل ، وأما بالنسبة إلى المضروب فيهم المثل من العرب ، فالنور نور الاسلام الذي أضاء قلوب من حولهم من المؤمنين المخلصين ( 39 : 22
أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ )
وذهابه في الدنيا ما عرض لهم من الشك أو الجزم بالكفر حتى لم يعودوا يدركون منافعه وفضائله ، وأما ذهابه بعدها فأوله الموت . فإن المنافق يرى بالموت أو قبيل خروج روحه منزلته بعدها ، وبعده ظلمة القبر أي حياة البرزخ ، وبعدها موقف الحساب والجزاء ( 57 : 13 - 15
يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا : انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ - قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً ، فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ ، باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ ، يُنادُونَهُمْ : أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ ؟ قالُوا : بَلى ، وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ ، وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ ، حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ )
الخ الآية التالية ، وفي هاتين الآيتين أصدق بيان للمراد من ذهاب اللّه بنورهم ، وكونه ليس إجبارا لهم على الكفر ، ولا عبارة عن سلبهم التمكن من الإيمان ، وإنما هو تعبير عن سنة اللّه تعالى في عاقبة فتنتهم لأنفسهم الخ
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 170 | الشيخ محمد رشيد رضا