وقال شيخنا في تطبيق المثل على اليهود وأمثالهم من هذه الأمة ما معناه :
استوقدوا بفطرتهم السليمة نار الهداية الآلهية بتصديقهم ، فلما أضاءت لهم بروقها ، ووضح لهم طريقها ، فاجأتهم التقاليد الموروثة ، وباغتتهم العادات المألوفة ، وشغلهم ما يتوهمونه فيها من المنافع والفوائد ، وما يتوقعونه في الاعراض عنها من المصارع وللفاسد ، عن الاستعانة بذلك الضوء على سلوك ذلك الصراط المستقيم ، والتفرقة بين نهاره المشرق وظلمات ليلها البهيم ، بل استبدلوا هذا للديجور ، بذلك الضياء والنور ، وهذا هو معنى ذهاب نورهم . وانما قال
( ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ )
ولم يقل ذهب نورهم ، أو أذهب اللّه نورهم للاشعار بأن اللّه تعالى كان معهم بمعونته وتوفيقه عندما استوقدوا النار فأضاءت ، وذلك أنهم كانوا قائمين على سبيل فطرته التي فطر الناس عليها ، معتقدين صحة شريعته التي دعا الناس إليها ، وبأنه تخلى عنهم عندما نكبوا عن تلك السبيل ، وعافوا ذلك المورد السلسبيل .
ولا شك أن المستوقد المسترشد تكون له حالة مع اللّه تعالى مرضية في التوجه إليه وقصد اتباع هداه ، والاستضاءة بنوره الذي وهبه إياه ، فإذا أعرض عنه وكله اللّه إلى نفسه ، وذهب بتوره . وإذا ذهب النور لا يبقى إلا الظلمة ، وما كان هؤلاء في ظلمة واحدة ، ولكنها ظلمات بعضها فوق بعض ، متعددة بتعدد أنواع التقاليد التي فتنوا بها ، وبتعدد أنواع الهداية التي أعرضوا عنها ، ولذلك قال :
وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ *
شيئا . حذف مفعول يبصرون إيذانا بالعموم ، أي لا يبصرون مسلكا من مسالك الهداية ولا يرون طريقا من طرقها ، لأنه صرف عنايته عنهم بتركهم سنته ، وإهمالهم هدايته ، ووكلهم إلى أنفسهم . ويا ويل من وكله اللّه إلى نفسه ، وحرمه توفيقه ، نسأل اللّه العافية
هذا المثل مضروب لفريق لا ترجى هدايته ، لأنه سد على نفسه جميع أبواب الهداية فلا يثق بعقله ولا بحواسه ولا بوجدانه إذا خالفت تقاليده - وعدم الابصار بذهاب النور غير كاف لتمثيل هذا اليأس والحرمان ، لجواز أن يلوح بارق ، أو يذر شارق ، أو يصيح طارق ، فتكون الهداية ، وتنكشف الغواية ، ولذلك عقبه بقوله تعالى
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ
* * *
أي إنهم فقدوا منفعة السمع الذي يؤدى إلى النفس ما يلقيه