تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 174

مساهمون:

ص١٧٤
تلك الارشادات الإلهية بمنزلة المطر الذي ينزل من السماء ؛ والزلزال والاضطراب الذي أشرنا إليه بمنزلة الرعد ، واستبانة الصراط المستقيم الذي يلمع في أنفسهم من ذلك كالبرق ، والعادات والتقاليد والشهوات والخوف من ذم الجماهير عند العمل بما يخالفهم كالظلمات التي تصد عن سلوك الطريق بل تعميه على طالبه وتحجبه عنه ، ولذلك قال تعالى في تمثيل حال هذا الفريق
أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ
أي قوم نزل بهم صيب ، ووصفه بأنه من السماء مع العلم بأن الصيب لا يكون إلا من السماء للاشعار بأنه أمر لا يملكون دفعه وليس ملاكه في أيديهم ، ومن المعهود عند بلغاء العرب التعبير عما يلم بالناس مما لا دافع له بأنه نزل من السماء ، ولا جرم أن تلك السوانح التي تسنح في الأفكار ، والالهامات الإلهية ، لأصحاب الفطرة الزكية ، التي يكون من أثرها ما أشار إليه المثل ، وتقدم التنبيه عليه ، هي أمر وهبى واقع ، ماله من دافع . قال تعالى في وصف الصيب
فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ
الظلمات هي ظلمة الليل وظلمة السحب وظلمة الصيب نفسه ؛ والرعد هو الصوت المعروف الذي يسمع في السحاب عند اجتماعه أحيانا ، والبرق هو الضوء الذي يلمع في السحاب في الغالب وقد يلمع من الأفق حيث لا سحاب ، وقال مفسرنا الجلال السيوطي : إن الرعد ملك أو صوته ، والبرق سوطه يسوق به السحاب ، كأن الملك جسم مادي لأن الصوت المسموع بالآذان من خصائص الأجسام ، وكأن السحاب حمار بليد لا يسير إلا إذا زجر بالصراخ الشديد والضرب المتتابع . وما ذكرناه هو الذي كان يفهمه العرب من اللفظين ، وهو الذي يفهمه الناس اليوم ، ولا يجوز صرف الألفاظ عن معانيها الحقيقية إلا بدليل صحيح ، ولا سيما إذا صرفت عن معاني من عالم الشهادة الذي يعرفه الواضعون والمتكلمون ، إلى معاني من عالم الغيب لا يعلمها إلا اللّه تعالى ومن أعلمهم اللّه تعالى إياها بالوحي ، ولكن أكثر المفسرين ولعوا بحشو تفاسيرهم بالموضوعات التي نص المحدثون على كذبها ، كما ولعوا بحشوها بالقصص والإسرائيليات التي تلقفوها من أفواه اليهود وألصقوها بالقرآن لتكون بيانا له وتفسيرا ، وجعلوا ذلك ملحقا بالوحي ، والحق الذي لا مرية فيه : أنه لا يجوز إلحاق شئ بالوحي غير ما تدل