تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
بها في ظلمات الريب والمشكلات ، ويبصر على ضوئها ما قد يهجم عليه من مفترسة الأهواء والشهوات ، فلما أضاءت ما حوله بما أودعته من الهدى والرشاد ، وكاد بالنظر فيها يمشى على هداية وسداد - هجمت عليه من نفسه ظلمة التقليد الخبيث ، وعصب عينيه شيطان الغرور ، فذهب عنه ذلك النور ، وأطبق عليه جو الضلالة بل طفىء فيه نور الفطرة ، وتعطلت قوى الشعور بما بين يديه ، فهم بمنزلة الأعمى الأصم الذي لا يبصر ولا يسمع . وأما الفريق الثاني فقد ضرب اللّه له المثل في قوله
( أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ )
الخ ، وهو الذي بقي له بصيص من النور ، فله نظرات ترمى إلى ما بين يديه من الهداية أحيانا ، ولمعاني التنزيل لمعان يسطع على نفسه الفينة بعد الفينة ، ويأتلق في نظره الحين بعد الحين ، عندما تحركه الفطرة ، أو تدفعه الحوادث للنظر فيما بين يديه ، ولكنه من التقاليد والبدع في ظلمات حوالك ، ومن الخبط فيها على حال لا تخلوا من المهالك ، وهو في تخبطه يسمع قوارع الانذار الإلهى ويبرق في عينيه نور الهداية ، فإذا أضاء له ذلك البرق السماوي سار ، وإذا انصرف عنه بشبه الضلالات الغرارة قام وتحير لا يدرى أين يذهب . ثم إنه ليعرض عن سماع نذر الكتاب ودعاة الحق ، كمن يضع إصبعيه في أذنيه حتى لا يسمع إرشاد المرشد ولا نصح الناصح ، يخاف من تلك القوارع أن تقتله ، ومن صواعق النذر أن تهلكه هذا هو شأن فريقى هذا الصنف بما يشير إليه المثلان إجمالا . وفي تفسير الآيات تفصيل ما أشرنا إليه قال تعالى
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً
العرب تستعمل لفظ « الذي » في الجمع كلفظى « ما » و « من » ومنه قوله تعالى ( 9 : 69
وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا )
وإن شاع في « الذي » الافراد لأن له جمعا وقد روعى في قوله « استوقد » لفظه ، وفي قوله
« ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ »
معناه ، والفصيح فيه مراعاة اللفظ أولا ، ومراعاة المعنى آخرا . والتفنن في إرجاع الضمائر متفرعة ضرب من استعمال البلغاء ، يقرر المعني في الذهن ويهبه فضل تمكن وتأكيد ، بما يحدث فيه من الروية والتوجه إلى الإحاطة بمعانى المختلفات .
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 169 | الشيخ محمد رشيد رضا