تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 168

مساهمون:

ص١٦٨
قفّى على ذلك التفصيل في شر فرقه وأطوارهم بضرب المثل الذي يقصد به تجلى المعنى في أتم مجاليه ، وتأثر النفوس بما أودع فيه ، ناهيك بما في التنقل في الأساليب من توجيه الذهن إلى سابق القول ودعوة الفكر إلى مراجعة ما مضى منه . ولولا أن بلاء هذا الصنف عظيم ، وداءه دفين ، وعلاجه متعسر - لأنه متولد من الدواء الذي كان يجب أن تكون فيه الصحة ونعمة العافية - لما كان من البلاغة ولا من الحكمة ، أن يعنى بشأنه كل هذه العناية ، كما قلنا في تزييف رأى من ذهب إلى أن الكلام في تلك الشرذمة من المنافقين في عصر التنزيل ضرب اللّه تعالى لهذا الصنف في مجموعه مثلين ، ينبئان بانقسامه إلى فريقين ، خلافا لما في أكثر التفاسير في أن المثلين لفريق واحد ، وأن معناهما وموضوعهما واحد ( الأول ) من آتاهم اللّه دينا وهداية عمل بها سلفهم فجنوا ثمرها ، وصلح حالهم بها ، أيام كانوا مستقيمين على الطريقة ، آخذين بإرشاد الوحي ، واقفين عند حدود الشريعة ، ولكنهم انحرفوا عن سنن سلفهم في الأخذ بها ظاهرا وباطنا ، ولم ينظروا في حقائق ما جاءهم ؛ بل ظنوا أن ما كان عند سلفهم من نعمة وسعادة إنما كان أمرا خصوا به ، أو خيرا سيق إليهم ، لظاهر قول أو عمل امتازوا به عن غيرهم ممن لم يأخذ بدينهم ، وإن كان ذلك العمل لم يخالط سرائرهم ، ولم تصلح به ضمائرهم ، فأخذوا بتقاليد وعادات لم تدع في نفوسهم مجالا لغيرها ، ولذلك لم يتفكروا قط في كونهم أحرى بالتمتع بتلك السعادة والسيادة من سلفهم ، لأن حفظ الموجود ، أيسر من إيجاد المفقود ، بل لم يبيحوا لأنفسهم فهم الكتاب الذي اقتدى من قبلهم بما فيه من شموس العرفان ، ونجوم الفرقان ، لزعمهم أن فهمه لا يرتقى إليه إلا أفراد من رؤساء الدين ، يؤخذ بأقوالهم ما وجدوا ، وبكتبهم إذا فقدوا فمثل هذا الفريق من الصنف المخذول في فقده لما كان عنده من نور الهداية الدينية ، وحرمانه من الاهتداء بها بالمرة ، وانطماس الآثار دونها عنده - مثل من استوقد نارا الخ . والوجه في التمثيل : أن من يدعى الايمان بكتاب نزل من عند ربه قد طلب بذلك الإيمان أن توقد له نار يهتدى بها في الشبهات ، ويستضىء
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 168 | الشيخ محمد رشيد رضا