تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 167

مساهمون:

ص١٦٧
أسراره ، واقتباس أنواره . ولا يذهبن الوهم إلى أن اشتراء الضلالة بالهدى يفيد أنهم كانوا مهتدين ثم تركوا الهدى للضلالة ، فيتناقض أول الآية مع آخرها ، إذ ليس لكل من منح الهدى يأخذ به فيكون مهتديا ، وهؤلاء حمّلوه ، فباعوه ولم يحملوه ، وينظر إلى هذا الاشتراء ، ويشبهه الاستحباب في قوله تعالى ( 41 : 17
وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى )
واللّه أعلم ومن مباحث الأداء قراءة حمزة والكسائي ( الهدى ) بالإمالة أي جعل مدها بين الألف والياء ، وهي لغة بنى تميم ، وعدم الإمالة لغة قريش وهي الفصحى ، ولما كان يعسر على لسان من اعتادها تركها أذن اللّه تعالى بها فيما أقرأ جبريل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم * * * ( 17 )
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ
( 18 )
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ .
* * * أقول : المثل بفتحتين والمثل بالكسر والمثيل كالشبه والشبه والشبيه وزنا ومعنى في الجملة ، وهو من مثل الشئ مثولا إذا انتصب بارزا فهو ماثل . ومثل الشئ - بالتحريك - صفته التي توضحه وتكشف عن حقيقته أو ما يراد بيانه من نعوته وأحواله . ويكون حقيقة ومجازا ، وأبلغه : تمثيل المعاني المعقولة بالصور الحسية وعكسه ومنه الأمثال المضروبة وتسمى الأمثال السائرة ، وسيأتي تحقيق معناها في تفسير
( إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما )
ومنه ما يسميه البيانيون الاستعارة التمثيلية وهو خاص بالمجاز . والتمثيل أمثل أساليب البلاغة وأشدها تأثيرا في النفس وإقناعا للعقل ، قال تعالى ( 29 : 43
وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ )
وما رأيت أحدا من علماء البلاغة وفاه حقه من البيان المقنع إلا إمامهم الشيخ عبد القاهر الجرجاني في كتابه ( أسرار البلاغة ) وهاك ما كنت كتبت في تفسير هذا المثل ثم ما بعده إجمالا ثم تفصيلا ، مقتبسا معانيه من دروس أستاذنا الامام : هذا مثل من مثلين ضربهما اللّه في هذه الآيات للصنف الثالث من الناس الذين قرع القرآن أبواب قلوبهم . وكان من عناية اللّه تعالى في بيان حاله أن