تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
على اختلال مزاج النفس ، وما يخل بكمالها من نفاق وجهل ، وارتياب وشك ، وغير ذلك من فساد الاعتقاد الحق ، واضطراب حكم العقل وفساد الخلق ، والمرض هنا من النوع الثاني كما تقدم آنفا ، وخصه شيخنا بمنافقى اليهود ، فقال ما معناه . كان في قلوبهم مرض قبل مجىء النذير ، وبيان الرشد من الغى ، عندما كانوا في فترة حظهم من الكتب قراءة ألفاظها ، ومن الأعمال إقامة صورها ؛
فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً
بعد ما جاءهم البرهان المنير ببعثة البشير النذير ، ووجدوا منه زعزعة في أنفسهم ؛ ولكن أخذتهم العزة بالاثم فأبوا الايمان ؛ ونبوا عن القرآن ؛ [ وزاد تمسكهم بما كانوا عليه واشتد حرصهم عليه ] فكان شعاع النور الذي جاء به الرسول عمى في أعينهم ؛ ومرضا على مرضهم
وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
أي عذاب مؤلم فوق هذه الأمراض ؛ و « أليم » صيغة فعيل من ألم يألم فهو أليم وصف به العذاب نفسه
بِما كانُوا يَكْذِبُونَ
[ في دعواهم الايمان باللّه واليوم الآخر ؛ فإنهم لم يصدقوا بأعمالهم ؛ ما يزعمونه من حالهم ] أقول : وأما مرض منافقى المدينة من العرب فهو الشك في نبوته صلّى اللّه عليه وسلّم كما روى عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما وعن الأول : أنه النفاق . وعن بعض تلاميذه : الرياء . وحسبك في زيادة مرضهم قوله تعالى ( 9 : 125
وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً ؟
- إلى قوله -
وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ )
أقول : قرأ عاصم وحمزة والكسائي ( يكذبون ) بالتخفيف أي بسبب كذبهم ؛ وقرأ الباقون ( يكذبون ) بالتشديد أي ولهم عذاب أليم بسبب تكذيبهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والحكمة في القرائتين : اثبات جمعهم للرذيلتين ، أي الكذب في دعوى الايمان ، وتكذيب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والسّلام ، والثانية سبب الأولى ؛ وهم إنما كانوا يكذبونه في أنفسهم ، وفيما بينهم إذا خلوا إلى شياطينهم والعذاب عقوبة عليهما معا ، أي على التكذيب وهو الكفر وعلى الكذب في دعوى الايمان وهو النفاق . وهؤلاء في باطنهم شر من الذين كفروا عنادا من رؤساء قريش ، فإنهم لم يكونوا يكذبونه صلّى اللّه عليه وسلّم وإنما كانوا يجحدون جحود استكبار . قال تعالى ( 6 : 33
فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ )