تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
وهو لا ينفى رياءهم في غيره من أقوالهم وأفعالهم . وقد كان لأولئك الأحبار والرؤساء من الإفساد غير ما ذكر ، ومنه إغراء المشركين بقتال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين ووعدهم بمساعدتهم عليه ، وهذا إفساد كبير في الأرض ، وكانوا يستبيحونه بأنه توسل إلى حفظ سلطتهم ورياستهم المهددة باتباع محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ولم يذكر فيما كتبت عنه رأيه فيمن سألهم وقال لهم ما ذكر وأجابوه بهذا الجواب ، هل هو اللّه تعالى أو الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أو المؤمنون ؟ وهي الاحتمالات التي ذكرها المفسرون - وزاد بعضهم رابعا وهو أن يكون بعضهم سأل بعضا لما كانوا عليه من اختلاف الحال وتباين الآراء ، كما قال تعالى فيهم ( 59 : 14
تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى )
فأي مانع لنهى بعضم لبعض عن نكث ما عاهدهم عليه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من إقرارهم على دينهم وحفظ أموالهم وأنفسهم بأن لا يؤلبوا عليه المشركين ولا يساعدوهم عليه - وأن يقولوا للناكثين المفسدين : إن الحرب فساد عظيم لا يؤمن أن يتعدى إلينا شرها فيطير من شررها ما نحترق به ، فدعوا تأليب قوم محمد عليه ؟ - ثم أي مانع يمنع أن يجيبهم أولئك المفسدون ككعب بن الأشرف : إنما نحن مصلحون بمساعدة قومه عليه ، لأننا نخشى منه ما لا نخشى منهم ، فقد عشنا معهم أجيالا لم ينازعنا منهم أحد في صحة ديننا ، لأنهم لا يدعون إلى شركهم ولا يحتقرون ما نحن عليه من الدين ، بل يروننا فوقهم في العلم ، ومنهم من يعطينا أولاده لتربيهم ولا يكرهون أن نلقنهم ديننا ، وأما محمد فيقول إننا ضللنا عن ديننا نفسه ويعيبنا بتحريف سلفنا وخلفنا لكتابنا ، وبما كان من مخازى تاريخنا ، كقتل الأنبياء ، ونكث العهود ، وأكل السحت . فإذا كان له الغلب على مشركي قومه لا نأمن أن يبقى لنا ديننا ومكانتنا السامية في بلاد العرب ، وإن هو حفظ عهده لنا ، ولم يغدر فيقاتلنا ، فكيف إذا هو غدر بنا وقاتلنا بعد الفراغ من قومه ؟ هذا أقرب إلى المعقول مما قاله المفسرون في السؤال والسائل ، وفيه وجه آخر لعله أقوى ، وهو أن السؤال والجواب مفروضان فرضا ، والمراد بيان حالهم في هذا الامر وما تنطوى عليه جوانحهم بصيغة السؤال والجواب التي هي أقوى أساليب الكلام تنبيها للأذهان ، وتوجيها لها إلى الإحاطة بمعانى الكلام ، ولذلك يستعملها العلماء