تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 156

مساهمون:

ص١٥٦
قال شيخنا : والقراءة الأولى هي المشهورة والعذاب فيها مقرون بالكذب لا بالتكذيب . وقد يقال : لم جعل العذاب جزاء الكذب دون الكفر ؟ والجواب : أن الكفر داخل في هذا الكذب ، وإنما اختير لفظ الكذب في التعبير للتحذير عنه ، وبيان فظاعته وعظم جرمه ، ولبيان أن الكفر من مشتملاته ، وينتهى إليه في غاياته ، ولذلك حذر القرآن منه أشد التحذير ، وتوعد عليه أسوأ الوعيد ، وما فشا الكذب في قوم إلا فشت فيهم كل جريمة وكبيرة ، لأنه ينشأ من دناءة النفس وضعف الحياء والمروءة ، ومن كان كذلك لا يترك قبيحا إلا بالعجز عنه ، نعوذ باللّه تعالى من عمله ومنه . ا ه بالمعنى وقد علمت أن السؤال لا يرد إلا على قراءة التشديد * * * ( 11 )
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ
( 12 )
أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ
( 13 )
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ ؟ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ
* * * تنطق هذه الآيات بأن ما عليه هذا الصنف من الغرور بما عنده من التقاليد قد سول له الباطل وزين له سوء عمله فرآه حسنا ، وشوه في نظره كل حق لم يأته على لسان رؤسائه ومقلديه بنصه التفصيلي ، فهو يراه قبيحا ، وقد صورت الآيات هذا الغرور بما حكته عن بعض أفراده وهو :
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ
بما تصدون عن سبيل اللّه من آمن وتبغونها عوجاء ، وتنفرون الناس عن اتباع محمد صلّى اللّه عليه وسلّم والأخذ بما جاء به من الاصلاح ، الذي يجتث أصول الفساد ، وبصطلم جراثيم الأداد ، ويحيى ما أماتته البدع من إرشاد الدين ، ويقيم ما قوضته التقاليد من سنن المرسلين
قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ
بالتمسك بما استنبطه الرؤساء ، وما كان عليه الأحبار والعرفاء ، من تعاليم الأنبياء ، فإنهم أعرف بسنتهم ، وأدرى بطريقتهم ، فكيف ندع ما تلقيناه منهم ، ونذر ما يؤثره آباؤنا وشيوخنا عنهم ، ونأخذ بشئ جديد ، وطارف ليس له تليد ؟