ظاهر المقال لا إلى تحسين باطن الحال ، ولن يكون لهذا الضرب من العلم أدني أثر في عمل من أعمال صاحبه . وتسميته علما لأنه يدخل في تعريفه العام « صورة من الشئ حاضرة عند النفس » وعند التدقيق لا ترتفع به منزلته إلى أن يندرج في معنى العلم الحقيقي ] فاستحضار هذا العلم كاستحضار الكتاب واللوح وإدراك ما فيه ، ثم الذهول عنه ونسيانه عند الاشتغال بشئ آخر .
فهؤلاء - الذين يخدعون أنفسهم ويخادعون اللّه تعالى - عندهم علم حقيقي تنبعث عنه أعمالهم ، وإن كان باطلا في نفسه ، وهو تصديقهم بما في شهواتهم ، من المصلحة لذواتهم ، وهو الذي رجح عندهم اختيار ما فيه قضاؤها والانصباب إلى ما تدعو إليه ، وهو ما أنساهم ما كانوا خزنوا في أنفسهم من صور الاعتقادات الدينية ، فأبعدهم ذلك عن الاعتقاد الحقيقي الذي يعتد به وجعله رسما مخزونا في الخيال ، لا أثر له في الأفعال ، يدعونه بألسنتهم ، وتكذبهم في دعواهم أعمالهم وأحوالهم ، ولذلك نسبهم إلى الدعوى القولية ولم يقل فيهم ما قال في ذلك الفريق الأول
( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ )
فإنه هناك ذكر إيمانهم وقفى عليه بذكر العمل الذي يشهد له . ومن هنا يعلم ما الايمان الذي يعتد به القرآن وهو يظهر لمن يقرأ القرآن ليحاسب به نفسه ، ويزن إيمانه وأعماله بما حكم به على إيمان من قبله وأعمالهم ، لا لمن يقرؤه على أنه قصة تاريخية مات من يحكى عنها ، واستثنى القارئ نفسه ممن حكم عليهم فيها
فإن كان مات من كانوا سبب النزول فالقرآن حي لا يموت ، ينطبق حكمه ويحكم سلطانه على الناس في كل زمان [ فكل مؤمن باللّه واليوم الآخر ومع ذلك يصدر في عمله عن شهواته ، ولا يمنعه إيمانه عن ركوب خطيئاته ، فاعتقاده انما هو خيال ، لا يعلو عن لفظ في مقال ، ودعوى عند جدال ، فإذا ركن إلى هذا المعتقد فهو خادع لنفسه ، مخادع لربه يظن أن علام الغيوب ، لا ينظر إلى ما في القلوب ]
فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ
* * *
عهد عند العرب التعبير عن العقول بالقلوب والمرض هو ما يطرأ على العقول فيضعف تعقلها وإدراكها ، والشك والوهم من أعراض هذا المرض ، فهو ظلمة تعرض للعقل فتقف بشعاعه أن ينفذ إلى ما وراء التكاليف والأحكام من الأسرار والحكم . وهذا النفوذ هو الفقه في الدين الذي يسوق النفس