تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
وما يشعر بذلك . وأما مخادعتهم للمؤمنين فظاهرة لأنهم اتخذوهم أعداء وهم عاجزون عن إظهار عداوتهم ، فأعمالهم التي يقصدون بها إرضاء المؤمنين كلها خداع ورياء وقد فصل شيخنا سر مخادعتهم وفلسفتها ببيان علمي جلى ، فقال ما معناه : هؤلاء المغرورون إذا عرض زاجر الدين بينهم وبين شهواتهم قام لهم من أنفسهم ما يسهل لهم أمره من أمل في الغفران ، أو تأويل إلى غير المراد ، أو تحريف إلى ما يخالف القصد من الخطاب ، وذلك بما رسخ في نفوسهم من ملكات السوء ، المغشاة بصور من العقائد الملونة بما قد يتجلى للأعين فيما يسمونه إيمانا . وما هم في الحقيقة بمؤمنين ، وإنما هم خادعون مخدوعون ، ولكنهم لما عمى عليهم من أمر أنفسهم ، لا يشعرون ، لأن ذلك يمر في أنفسهم وهم عنه غافلون . وفرق ظاهر بين ما تستحضره النفس من المعلومات وتستعرضه عندما تسأل عنه ، وما هو راسخ فيها من تلك المعلومات ، بصيرورته ملكة في النفس متصرفة في الإرادة ، باعثة لها على العمل . فمن العلوم ما هو ثابت في النفس ممتزج بها . [ على النحو الذي ذكرنا فيتبع امتزاجه هذا تمكن ملكات أخر تصدر عنها الأعمال ، وهي ما يعبر عنه بالأخلاق والصفات كالكرم والشجاعة ونحوهما فإنها إنما تنطبع في النفس تبعا للعلم الذي يلائمها ] وهو العلم الحقيقي الذي تصدر عنه الأعمال وربما يغفل الانسان عنه ولا يلاحظه عندما يعمل . وفرق بين ملاحظة العلم واستحضاره وبين وجوده وتحققه في نفسه . ومن العلوم ما يلاحظ الانسان أنه عنده فهو صورة عند النفس تستحضره عند المناسبة ويغيب عنها عند عدمها ، لأنه لم يشربه القلب ولم يمتزج بالنفس فيصير صفة من صفاتها الراسخة التي لا تزايلها [ وهذا النوع من العلم يتعلق بما تعلق به النوع الأول ، كعلم الحلال والحرام الذي يحصله طلبة الفقه الاسلامي مثلا . وكعلم مزايا الفضيلة ، ورزايا الرذيلة الذي يخزنه طلاب علوم الآداب والأخلاق والنظار في كتب الأواخر والأوائل . لتعزير مادة العلم وتوسيع مجال القول وتوفير القدرة على حسن المنطق ونحو ذلك ، فهذا العلم كالأداة المنفصلة عن العامل ، يبقى في خزانة الخيال ، تستحضره النفس عندما تدفعها الشهوة إلى تزيين