هكذا شأن كل مفسد : يدعى أنه مصلح في نفس إفساده ، فإن كان على بينة من إفساده عارفا أنه مضل - وإنما يكون كذلك إذا كان إفساده لغيره لعداوة منه له - فإنما يدعى ذلك لتبرئة نفسه من وصمة الافساد بالتمويه والمواربة . وإن كان مسوقا إلى الافساد بسوء التقليد الأعمى الذي لا ميزان فيه لمعرفة الاصلاح من الافساد الا الثقة بالرؤساء المقلدين ، فهو يدعيه عن اعتقاد ولا يريد أن يفهم غير ما تلقاه عنهم : وإن كان أثر تقليدهم ، والسير على طريقتهم ، مفسدا للأمة في الواقع ونفس الامر ، لأن الوجود والحقيقة الواقعة لا قيمة لهما ولا اعتبار في نظر المقلدين بل هم لا يعرفون منا شئ الفساد ومصادر الخلل ، ولا مزالق الزلل ، لأنهم عطلوا نظرهم الذي يميز ذلك ، وأرادوا أن يوقعوا غيرهم بهذه المهالك ، بصدهم عن سبيل الاسلام ، الداعي إلى الوحدة والالتئام . فكان ذلك منهم دعاء إلى الفرقة والانفصام ، والثبات على عبادة الملائكة أو البشر أو الأصنام . وأي إفساد في الأرض أعظم من التنفير عن اتباع الحق ، وعن الاعتصام بدين فيه سعادة الدارين ، والأرض إنما تفسد وتصلح بأهلها ؟ ولذلك قال تعالى
أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ
* * *
فابتدأ الكلام المؤكد لاثبات إفسادهم بكلمة « ألا » التي يراد بها التنبيه والايقاظ وتوجيه النظر ، وتدل على اهتمام المتكلم بما يحكيه بعدها
وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ
بأن هذا إفساد غرز في طبائعهم ، بما تمكن فيها من الشبهة بتقليد رؤسائهم الذين أشربوا عظمتهم . وهذا دليل على أنهم لم يكونوا معاندين ولا مرائين ، وأنهم على اعتقاد ضعيف لا يشهد له العمل كما تقدم في تفسير آية
( يُخادِعُونَ اللَّهَ )
وإذا كانت الآيات في وصف طائفة من الناس توجد في كل أمة كما قدمنا فليحاسب بها نفسه كل مسلم يعتقد أن القرآن إمامه ، وأن فيه هدى له فإنها حجة على كثير ممن يدعون الاسلام بالقول ويعملون بخلاف ما جاء به ، ويتبعون غير سبيله .
وأقول الآن : هذه جملة ما قرره شيخنا في الدرس واضعا نصب عينيه منافقى اليهود ، ولا سيما فقهائهم الذين كانوا مجاورين للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم في المدينة ، وشدة الشبه بينهم وبين فقهاء السوء ، ولا سيما فقهاء عصرنا هذا - ولذلك نبه لعموم الآيات وشمولها لهم لها عودا على بدء ، وإنما مراده بنفي الرياء عنهم أنهم يعتقدون ما قالوا هنا ،