تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
إلى الأخذ به ظاهرا وباطنا . وقد عبر القرآن عن فقد أمثال هؤلاء لهذا بقوله ( 7 : 179
لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها )
وربما كان التعبير عن العقول بالقلوب في مثل هذا المقام ، لأن القلب يظهر فيه أثر الوجدان الذي هو السائق إلى الأعمال [ يظهر لك ذلك بما تجده من اضطراب قلبك عند اشتداد الخوف أو اشتداد الفرح ، فإنك تحس بزيادة ضرباته وشدة نبضاته ] فصورة الاعتقاد إذا تناولها العقل من طريق التقليد والتسليم ، فجعلها في زاوية من زوايا الدماغ ، لم يكن لها سلطان على القلب ولا تأثير في الوجدان ، واعتقاد لا يصحبه هذا السلطان ولا يصدر عنه هذا التأثير ، لا يعتد اللّه تعالى به ولا يستفيد الإنسان منه كما تقدم آنفا ، فمن لم يطرق الايمان قلبه بقوة البرهان ولم يحل مذاقه منه في الوجدان ، بحيث يكون هو المصرف له في أعماله لا ينفعه إيمانه ، إلا إذا تمرن على الأعمال الصالحة عن فهم وإخلاص ، حتى يحدث لقلبه الوجدان الصالح ، فأهل اليقين يبعثهم يقينهم على العمل الصالح ، وأهل التقليد تلحقهم أعمالهم الصالحة بأهل اليقين في الانتفاع بإيمانهم ، وهذا الفريق الذي تحكى عنه الآيات ، وتصفه بالكذب والخداع ، قد فقد الأمرين معا ، ولا صحة للقلب إلا بهما ، فمن فقدهما مرض ولا يلبث مرضه أن يقتله . قال الأستاذ الامام ما معناه : ولضعف العقل أسباب . منها : ما هو فطرى كما هو حال أهل البله والعته ، وهو الذي لا يكلف صاحبه ولا يلام ، ومنها : ما يكون من فساد التربية العقلية كما هو حال المقلدين الذين لا يستعملون عقولهم ، وإنما يكتفون بما عليه قومهم من الأوهام والخيالات ، ويرين على قلوبهم ما يكسبونه من السيئات ، وما يكونون عليه من التقاليد والعادات ، ولا يعتنون بما أمر اللّه به من تمزيق هذه الحجب ، وإزالة هذه السحب ، للوقوف على ما وراءها من مخدرات العرفان ، ونجوم الفرقان وشموس الايمان ، بل يكتفون بما حكى اللّه عنهم في قوله ( 43 : 23
إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ )
حتى يجئ اليوم الذي يقولون فيه ( 33 : 67
رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا ) .
وأقول : إن المرض في أصل اللغة : خروج البدن عن اعتدال مزاجه وصحة أعضائه فيختل به بعض وظائفها وأعمالها ، وتعرض الآلام لها . ويطلق مجازا
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 154 | الشيخ محمد رشيد رضا