تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 134

مساهمون:

ص١٣٤
الاعتقاد الجازم في غير الحسيات والضروريات كما صرحوا به ، فالجزم بخبر الصادق والاعتقاد المبني على الأدلة والامارات يسمى يقينا إذا كان ثابتا لا شك فيه . وفي لسان العرب : أن اليقين العلم وإزاحة الشك وتحقيق الأمر ، وهو نقيض الشك ، والعلم نقيض الجهل ا ه فالايمان الشرعي يشترط فيه اليقين اللغوي فقط وهو التصديق الجازم الذي لا شك فيه ولا تردد ، ولا ملاحظة طرف راجح على طرف مرجوح فان هذا هو الظن . واليقين المنطقي أكمل . وهو ما بنى عليه شيخنا ما يأتي مبسوطا لا ملخصا ، قال ما معناه : [ وصفهم بأنهم موقنون بالآخرة لأنهم مؤمنون بالقرآن ، ولم يصف بهذا الوصف الطائفة الأولى لأنها وإن كانت تؤمن بالغيب وتتوجه إلى اللّه تعالى بالصلاة المخصوصة بها وتنفق مما رزقها اللّه ، فذلك لا ينافي أنها في حيرة من أمر البعث والجزاء ، وكذلك كانت قبل الايمان بالقرآن . وكان من هداية القرآن لها : أن خرج بها من غمرات تلك الحيرة لا يعتدّ بما دون اليقين في الايمان . وقد قال اللّه تعالى في اعتقاد قوم ( 53 : 28
وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ ، إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً )
وإذا لم يكن الظان موقنا وعلى نور من ربه في اعتقاده ، فما حال من هو دونه من الشاكين والمرتابين ؟ ويعرف اليقين في الايمان باللّه واليوم الآخر بآثاره في الاعمال . إننا نرى الرجل يأتي إلى المحكمة بدعوى زور يريد أن يأكل بها حق أخيه بالباطل أو يجامل آخر بشهادة زور ، أو ينتقم بها من ثالث ، وهو يعلم أنه مزور ومبطل ، فيقال له : اتق اللّه أن أمامك يوما
( يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ )
فيقول أعوذ باللّه أنا أعلم أن أمامى يوما ، وأن أمامى شبرا من الأرض - يعنى القبر - والدنيا لا تغنى عن الآخرة . ويحلف اليمين الغموس باسم اللّه تعالى أنه محق في دعواه أو في شهادته ، ثم يظهر التحقيق أنه مزور ، ويضطره إلى الاعتراف والاقرار بذلك ، فكأن الايمان بالله واليوم الآخر عنده خيال يلوح في ذهنه عندما يريد الخلابة والخداع لأجل أكل الحقوق أو إرضاء الهوى ، ولا يظهر له أثر في أعماله وأحواله كأثر الاعتقاد ببعض المشايخ الميتين ؛ كما بينا ذلك من قبل ]