تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 136

مساهمون:

ص١٣٦
غزائب جاءت على لسان المنتسبين للتصوف لا تدخل فيما يتعلق به اليقين ، بل الجهل بالكثير منها خير من العلم به ، فإنما الوصف الذي يمتاز به أهل القرآن هو اليقين ، ولا يكون اليقين إلا حيث يكون القطع . وأما الظن فهو وصف من عليهم القرآن وأزرى بهم ، فلا علاقة له بأحوالهم « 1 » * * * ( 4 )
أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ .
* * * ههنا إشارتان والمشار إليه عند الجمهور واحد وهو ما في الآيتين السابقتين من المؤمنين من غير أهل الكتاب والمؤمنين منهم ، وكرر الإشارة للاعلام بأنه لا بد من تحقق الوصفين لتحقق الحكم بأنهم على هدى وأنهم هم المفلحون . كذا قال بعضهم وهو تكلف ظاهر ، وكذا قولهم : إن تنكير هدى هنا للتعظيم . وشيخنا قد جعل الإشارتين لنوعى المؤمنين المذكورين في الآية السابقة بأسلوب اللف والنشر المرتب قال إن الإشارة الأولى
( أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ )
في هذه الآية للفرقة الأولى وهم الذين ينتظرون الحق لأنهم على شئ منه - كما يدل عليه تنكير « هدى » الدال على النوع - وينتظرون بيانا من اللّه تعالى ليأخذوا به ، ولذلك تقبلوه عندما جاءهم . فقد أشعر اللّه قلوبهم الهداية ، بما آمنوا به من الغيب ، وأقاموا الصلاة بالمعنى الذي سبق ، وأنفقوا مما رزقهم اللّه ، وأما الفرقة الثانية وهم المؤمنون بما جاء به محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فعلى هدى تشرك فيه تلك الفرقة الأولى ؛ لكن على وجه أكمل ، لأنها مؤمنة بالقرآن وعاملة به . وقوله
« عَلى هُدىً »
تعبير يفيد التمكن من الشئ كتمكن المستقر عليه ، كقولهم « ركب هواه » ولقد كان أفراد تلك الفرقة ( أي الأولى ) على بصيرة وتمكن من نوع الهدى الذي كانوا عليه ، فإن كان هذا غير كاف لإسعادهم وفلاحهم ، فهو كاف لإعدادهم وتأهيلهم لهما بالايمان التفصيلي المنزل ، ولذلك قبلوه عندما بلغتهم دعوته . وإلى الفرقة الثانية وقعت الإشارة الثانية
وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
كما هو ظاهر ، وهم المفلحون بالفعل لاتصاقهم بالإيمان الكامل بالقرآن وبما تقدمه من
هامش
( 1 ) بين القطع والظن المنطقيين يقين هو اليقين اللغوي كما تقدم .