السعادة في هذه الحياة بحسب الاجتهاد الناقص والتعليم الذي لم يقتنع به العقل .
ولم تسكن إليه النفس ، قد هيأهم لقبول القرآن وأن يقتبسوا من نوره ما يذهب بظلمات الجهل والحيرة ، ويمنح الأرواح ما تتشوف إليه بمقتضى الفطرة .
وبعد أن بين حال هذه الفرقة التي يكون الكتاب هدى لها [ يخرجها من ظلمات الشك إلى نور اليقين ، وينكب بها عن مهاب رياح الفكر إلى مستقر السكينة .
ومستكن الطمأنينة ، بما تتعرفه النفس من جانب القدس - ] عطف عليها بيان حال الفرقة التي اهتدت به فعلا ، وصار إماما لها تتبعه في جميع أعمالها ، دون أن تغمض عينها عنه . بعد أن أضاء لها ما أضاء منه ، فقال عز من قائل .
* * *
( 3 )
وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ .
* * *
أقول : روى عن ابن عباس ( رض ) أن المراد بالمؤمنين هنا من يؤمن بالنبي والقرآن من أهل الكتاب ، وبالمؤمنين فيما قبلها من يؤمن من مشركي العرب .
واختاره ابن جرير وآخرون . وعن مجاهد وأبى العالية والربيع بن أنس وقتادة أن المؤمنين في الآيتين قسم واحد ، وهو كل مؤمن وإنما تعدد ما يؤمنون به . فالعطف فيهما عطف الصفات لا عطف الموصوفين . وثم قول ثالث شاذ ، وهو أن الآيتين في مؤمني أهل الكتاب . وقد بينا قول شيخنا وسيأتي شرحه . والمراد على كل رأى من قوله تعالى
وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ
الإيمان التفصيلي بكل مأ أنزله اللّه تعالى في القرآن . وأما قوله
وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ
فيكفي فيه الإيمان الإجمالي . وقال شيخنا ما مثاله :
هذه هي الطبقة الثانية من المتقين وأعيد لفظ ( الذين ) لتحقيق التمايز بين الطبقتين . وهذه الطبقة أرقى من الطبقة الأولى ، لأن أوصافها تقتضى الأوصاف التي أجريت على تلك وزيادة ، فالقرآن يكون هدى لها بالأولى ، ومعنى كونه هدى لها : أنه يكون إمامها في أعمالها وأحوالها ، لا تحيد عن النهج الذي نهجه لها ، كما ذكرنا .