[ فمثل هذا الإيمان - وإن تعارف الناس على تسميته تلك - ليس من الإيمان الذي يقوم على ذلك المعنى من الايقان ، ويظهر أثره في الجوارح والأركان ]
ثم قال بعد كلام في آثار اليقين : اليقين إيمانك بالشئ ، والاحساس به من طريق وجدانك كأنك تراه [ بأن يكون قد بلغ بك العلم به أن صار مالكا لنفسك مصرفا لها في أعمالها ، ولا يكون العلم محققا للايمان على هذا الوجه حتى تكون قد أصبته من إحدى طريقتين ( الأولى ) النظر الصحيح فيما يحتاج فيه إلى النظر كالايقان بوجود اللّه ورسالة الرسل ، وذلك بتخليص المقدمات ، والوصول بها إلى حد الضروريات ، فأنت بعد الوصول إلى ما وصلت إليه كأنك راء ما استقر رأيك عليه
( والطريق الأخرى ) خبر الصادق المعصوم بعد أن قامت الدلائل على صدقه وعصمته عندك ، ولا يكون الخبر طريقا لليقين حتى تكون سمعت الخبر من نفس المعصوم صلّى اللّه عليه وسلّم أو جاءك عنه من طريق لا تحتمل الريب ، وهي طريق التواتر دون سواها ، فلا ينبوع لليقين بعد طول الزمن بيننا وبين النبوة إلا سبيل المتواترات التي لم يختلف أحد في وقوعها ، فالإيقان بالمغيبات كالآخرة وأحوالها والملأ الأعلى وأوصافه ، وصفات اللّه التي لا يهتدى إليها النظر « 1 » لا يمكن تحصيله إلا من الكتاب العزيز ، وهو الحق الذي جاءنا من اللّه لا ريب فيه ؛ فعلينا أن نقف عندما أنبأ به من غير خلط ولا زيادة ولا قياس .
وأكد الإيقان بالآخرة بقوله ( هم ) اهتماما بشأنه وليبين أن الإيقان بالآخرة خاصة من خواص الذين آمنوا بالقرآن وبما أنزل قبله من الكتب لا يشركهم فيه سواهم . وقد علمت أنه لا بد أن يكون الموقن به من أحوال الآخرة قطعيا . فهذه الإضافات التي أضافوها على أخبار الغيب وخلقوا لها الأحاديث بل أضافوا إليها أيضا أقوال أهل الكتاب وأشياء أخرى نسبوها إلى السلف ، وبعض
هامش
( 1 ) يعنى أن صفات الربوبية منها ما يعرف بالنظر والاستدلال كعلمه تعالى وقدرته ومشيئته وحكمته ووحدته . ومنها ما لا يعرف به بل يتوقف على الوحي وخبر المعصوم عنه ، ومنها ما جعلة المتكلمون من المتشابهات كالرضى والغضب والوجه واليد وسيأتي بيانه في محله . وراجع تفسير المتشابهات في تفسير أوائل سورة آل عمران