تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢
ما كل من أظهر الايمان بما ذكر مهتد بالقرآن . فالمؤمنون بالقرآن على ضروب شتى ، ونرى بيننا كثيرين ممن إذا سئل عن القرآن قال : هو كلام اللّه ولا شك ولكن إذا عرضت أعماله وأحواله على القرآن نراها مباينة له كل المباينة . القرآن ينهى عن الغيبة والنميمة والكذب ، وهو يغتاب ويسعى بالنميمة ولا يتأثم من الكذب . القرآن يأمر بالفكر والتدبر ، وهو كما وصف القرآن المكذبين بقوله تعالى فيهم : ( 51 : 11
الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ ساهُونَ )
لا يفكر في أمر آخرته ، ولا في مستقبله ولا مستقبل أمته ، ولا يتدبر الآيات والنذر ، ولا الحواداث والعبر . إن المؤمن الموقن المذكور في الآية الكريمة هو الذي يزين أعماله وأخلافه باستكمال ما هدى إليه من القرآن دائما ، ويجعله معيارا يعرض عليه تلك الأعمال والأخلاق ، ليتبين : هل هو مهتد به أم لا ؟ مثال ذلك : الصلاة . يصفها القرآن بأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر ، وقال في المصلين ( 70 : 19 - 22
إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ )
فبين أن الصلاة تقتلع الصفات الذميمة الراسخة التي تكاد تكون فطرية . فمن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر ، ولم تقتلع من نفسه جذور الجبن والهلع . وتصطلم جراثيم البخل والطمع ، فليعلم أنه ليس مصليا في عرف القرآن ، ولا مستحقا لما وعد عباده الرحمن . أما لفظ « الإنزال » فالمراد به ما ورد من جانب الربوبية الرفيع الأعلى ، وأوحى إلى العباد من الإرشاد الآلهى الأسمى ، وسمى إنزالا لما في جانب الألوهية من ذلك العلو . علو الرب على المربوب ، والخالق على المخلوقين ، الذين لا يخرجون بالتكريم والاصطفاء عن كونهم عبيدا خاضعين . وقد سمى القرآن غير الوحي من إسداء النعم الإلهية إنزالا فقال ( 57 : 25
وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ )
فنكتفى بهذا من معنى الإنزال ، وهو ما يفهمه كل عربي ، من حاضر وبدوي . وأقول الآن : إنني كنت اكتفيت بهذا القدر في تفسير الإنزال ، تحاميا لما في المسألة من خلاف وجدال ، ولكنني عدت في التفسير إلى فصل المقال في مسائل النزاع ، فأزيد عليه أن إنزال الحديد فيه أقوال أخرى للسلف والخلف ، كقوله تعالى