تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
وفرق بينهما ، فان الصلاة متى حددت بكيفية مخصوصة يقال لمن يؤديها بتلك الكيفية : إنه صلى ، وإن كان عمله هذا خلوا من معنى الصلاة وقوامها المقصود من الهيئة الظاهرة ، فاحتيج إلى لفظ يدل على هذا المعنى الذي به قوام الصلاة ، وهو ما عبر عنه القرآن بلفظ الإقامة . وقد قالوا إن إقامة الصلاة عبارة عن الإتيان بجميع حقوقها من كمال الطهارة ، واستيفاء الأركان والسنن . وهو لا يعدو وصف الصورة الظاهرة ، وإنما قوام الصلاة الذي يحصل بالإقامة : هو التوجه إلى اللّه تعالى والخشوع الحقيقي له ، والإحساس بالحاجة إليه تعالى . وكتب شيخنا عند تفسير الصلاة هنا بما تقدم أخذا عنه ما نصه : [ فإذا خلت صورة الصلاة من هذا المعنى لم يصدق على المصلى أنه أقام الصلاة فإنه قد هدمها باخلائها من عمادها ، وقتلها بسلبها روحها ، ومن غريب مزاعم من يسمون أنفسهم بالمسلمين : أن حضور القلب في جميع أجزاء الصلاة واستشعار الخشية من أصعب ما تتجشمة النفس ، بل يكاد يكون مستحيلا ، لغلبة الخواطر على ذهن المصلى . هذا وأخشى أن يكون هذا جحودا لمعنى الصلاة ، وإنما عرض لهم هذا الوهم الباطل من شدة الغفلة ، واستحكام العلة ، وإني أدلهم على طريقة لو أخذوا بها لشغلوا بمعنى الصلاة حتى عن الصلاة نفسها ، تلك الطريقة : هي أن لا ينطق المصلى بلفظ إلا وهو يستورد معناه على ذهنه ، فإذا قال
( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ )
يستحضر معنى الحمد وإضافته إلى ذات اللّه تعالى ، مع وصفه بالربوبية لجميع الأكوان العلوية والسفلية ، وإذا قال مثل
( مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ )
تصور معنى الملك وتعلقه بذلك اليوم يوم الجزاء ، وهكذا - فإذا أخذ المصلى على نفسه أن يتصور المعاني من ألفاظها التي ينطق بها فقد أقام الصلاة ، أما وهو ينطق ولا يفقه ولا يلحظ بذهنه معنى لفظ ما يقول ، فكيف يزعم أنه يصلى ، فضلا عن أنه يقيم الصلاة ؟ ]
وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ
أقول : الرزق في اللغة النصيب والعطاء ويطلق على الحسى والمعنوي ، كالمال والولد والعلم والتقوى . ويخص بأمور المعاش بقرينة حالية أو لفظية ، وقال علماء أهل السنة : الرزق ما انتفع به ، حلالا كان أو حراما ، وخصه تفسير القرآن الحكيم « 9 » « الجزء الأول »