تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 130

مساهمون:

ص١٣٠
المعتزلة بالحلال . ونفاق الشئ كنفاده . وأنفقه جعله ينفق بصرفه وإخراجه من يده . وقال الجمهور : إن الانفاق هنا يشمل النفقة الواجبة على الأهل والولد وذي القربى وصدقه التطوع ، إذ الآية نزلت قبل فرض الزكاة المعينة . وقوله تعالى
( وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ )
يدل على أن النفقة المشروعة تكون بعض ما يملك الإنسان لا كل ما يملك - فهو ركن من أركان الاقتصاد . والانفاق في سبيل اللّه أظهر آيات الايمان الصحيح . وقال شيخنا شارحا ذلك على طريقته بما مثاله : هذا الوصف من أقوى أمارات الايمان بالغيب ، لأن كثيرا من الناس يأتون بضروب العبادات البدنية كالصلاة والصوم ، ومتى عرض لهم ما يقتضى بذل شئ من المال للّه تعالى يمسكون ولا تسمج أنفسهم بالبذل ، وليس المراد بالانفاق هنا ما يكون على الأهل والولد ، ولا ما يسمونه بالجود والكرم ، كقرى الضيوف ابتغاء عوض كالشهرة والجاه ، أو الأنس بالأصحاب ، لأن هذا ليس من آثار الإيمان بالغيب ، وإنما هو الإنفاق الناشئ عن شعور بأن اللّه تعالى هو الذي رزقه وأنعم عليه به ، وأن الفقير المحروم عبد للّه مثله ، وأنه حرم من سعة العيش لضعف أو حرمان من الأسباب التي توصل إلى الرزق [ أو عن إحساس بأن مصلحة من مصالح المسلمين ومنفعة من منافعهم العامة لا تقوم أو لا تصل إليهم الا ببذل المال ، وقد أوجب اللّه على من أوتي المال أن ينفق منه في ذلك السبيل وهو أفضل سبل اللّه ] فمن يجد من نفسه داعية لبذل أحب الأشياء إليه - وهو ماله - ابتغاء مرضاة اللّه تعالى وقياما بشكره ، ورحمة لأهل العوز والبائسين من خلقه ، فهو لا شك مستعد لقبول هداية القرآن أتم الاستعداد ، حتى إذا ما دعى إليه لبى وأجاب ، وأسلم إلى اللّه تعالى وأناب . فهذا بيان حال الفرقة الأولى ممن يهتدى بالقرآن فعلا ويشملها لعظ المتقين بالمعنى السابق ، وكان منهم بعض العرب الحنفاء ، وبعض أهل الكتاب الصلحاء كما سبق بيانه . والمراد من كون القرآن هدى لهذه الفرقة أنها مستعدة لقبوله ، ومهيأة للاسترشاد به ، لأن الايمان الاجمالي باللّه وبحياة أخرى بعد هذه الحياة يوفىّ الناس فيها أجورهم بحسب أعمالهم البدنية والنفسية ، واتقاء ما يحول دون
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 130 | الشيخ محمد رشيد رضا