وفي هذا الأسلوب تعجيب من حالهم ، وأنه قد كان لهم في ذلك مدّكر ، لو كانوا يستبصرون ، وعبرة لو كانوا يعتبرون .
ثم بيّن أسباب ما حل بهم من النقمة فقال :
( ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالُوا أَ بَشَرٌ يَهْدُونَنا ؟ فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ ، وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ )
أي إن ما حل بهم من سوء العذاب كان من جراء تكذيبهم بالرسل بعد أن جاءوهم بالأدلة الواضحة ، والمعجزات الباهرة ؛ وقالوا : إن من العجب العاجب أن يكون هدينا على يدي بشر منا لا ميزة لهم عنا بعقل راجح ، ولا بسلطان يتملكون به قيادنا . ويجعل لهم بسطة النفوذ علينا ، كما قالت ثمود :
« أَ بَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ »
وقد جهلوا أن النبوة رسالة يصطفى بها اللّه من يشاء من عباده كما قال :
« اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ »
.
وبعد أن أطال عنادهم وتمادوا في غيّهم أهلكهم اللّه بسلطانه وجبروته ، وقطع دابرهم ، واستغنى عن إيمانهم ، وهو الغنى عن العالمين جميعا ، والغنى عن إيمانهم وطاعتهم ، وهو الحقيق بالحمد على ما أنعم به على عباده من النعم المتظاهرة عليهم ، ظاهرة وباطنة .
[ سورة التغابن ( 64 ) : الآيات 7 إلى 10 ]
زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وَذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ( 7 ) فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( 8 ) يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 9 ) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ خالِدِينَ فِيها وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 10 )