أخرج ابن أبي حاتم عن أبي جعفر رضى اللّه عنه « أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان إذا شرب الماء قال : الحمد للّه الذي سقانا عذبا فراتا برحمته ، ولم يجعله ملحا أجاجا بذنوبنا » .
( أَ فَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ . أَ أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ )
أي أفرأيتم النار التي تقدحونها وتستخرجونها من الزناد ، أأنتم أنشأتم شجرتها التي منها الزناد أم نحن المنشئون لها بقدرتنا ؟ .
وكانت العرب توقد النار بطريق احتكاك المرخ بالعفار ( نوعان من الشجر ) فيأتون بعود من العفار وبقطعة عريضة من المرخ يحفرون في وسطها حفرة ثم يضعون عود العفار في هذه الفجوة ، ويأتي فتى من فتيان القبيلة ويحرك عود العفار فيها بالتوالي ، ويأتي بعده آخر ويصنع صنيع سابقه ، ولا يزالون يفعلون هكذا حتى تشتعل النار من كثرة الاحتكاك .
وهذه عملية شاقة عسرة ، ومن ثم كان البيت في القبيلة إذا رأى النار موقدة استعار جذوة منها ، وإلى هذا أشار في قوله سبحانه في قصص موسى
« إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ »
.
ثم بين منافع هذه النار فقال :
( نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ )
أي نحن جعلنا النار تبصرة في أمر البعث حيث علقنا بها أسباب المعاش لينظروا إليها ، ويذكروا بها ما أوعدوا به ؛ لأن من أخرج النار من الشجر الأخضر المضادّ لها فهو قادر على إعادة ما تفرقت مواده ، ومنفعة لمن ينزلون القواء والمفاوز من المسافرين ، فكم من قوم سافروا ثم أرملوا فأجّجوا نارا فاستدفئوا وانتفعوا بها ، وقد كان من لطف اللّه أن أودعها الأحجار ، وخالص الحديد ، فيتمكن المسافر من حملها في متاعه وبين ثيابه ، وإذا احتاج إليها في منزله أخرج زنده وأورى ، وأوقد نارا فطبخ بها واصطلى ، واشتوى واستأنس بها ، وانتفع بها في وجوه المنافع المختلفة .