تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
ثم أردف ذلك دليلا آخر في الرزق في المطعوم فقال :
( أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ . أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ )
أي أخبروني عن الحرث الذي تحرثونه ، أأنتم تنبتونه أم نحن الذين ننبته ؟ أي أأنتم تصيرونه زرعا أم نحن الذين نصيّره كذلك ؟ . وروى عن حجر المنذري أنه كان إذا قرأ
( أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ )
وأمثالها يقول : بل أنت يا رب .
( لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ . إِنَّا لَمُغْرَمُونَ . بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ )
أي نحن أنبتناه بلطفنا ورحمتنا ، وأبقيناه لكم ، ولو شئنا لأيبسناه قبل استوائه واستحصاده ، فأصبح لا ينتفع به في مطعم ولا في غذاء ، فصرتم تعجبون من سوء حاله إثر ما شاهدتم فيه من الخضرة والنضرة والبهجة والرّواء ، وتقولون : حقا إنا لمعذبون مهلكون لهلاك أرزاقنا ، لا بل هذا أمر قدر علينا لنحس طالعنا ، وسوء حظنا . والخلاصة - لو نشاء لجعلناه هشيما متكسرا لشدة يبسه ، فأقمتم تعجبون مما نزل بكم ، ويعجّب بعضكم بعضا لذلك وتقولون إنا لمعذبون ، لا بل نحن محرمون غير مجدودين ، لنحس طالعنا ، وسوء حظنا . ثم أعقبه بدليل آخر في المشروب فقال :
( أَ فَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ . أَ أَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ )
أي أفرأيتم أيها الناس الماء العذب الذي تشربونه ، أأنتم أنزلتموه من السحاب الذي فوقكم إلى قرار الأرض أم نحن منزلوه لكم ؟ .
( لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً فَلَوْ لا تَشْكُرُونَ )
أي لو نشاء لجعلناه ملحا زعاقا لا تنتفعون به في شرب ولا غرس ولا زرع ، فهلا تشكرون ربكم على إنزاله المطر عذبا زلالا ؟
« لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ . يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ »
.