تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 107

مساهمون:

ص١٠٧
( الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ )
أي إن الشمس والقمر وهما من أعظم الأجرام يجريان في بروجهما ومنازلهما بحساب مقدر معلوم ، وبهما تنتظم أمور المخلوقات الأرضية ، وتختلف الفصول ، وبهذا الحسبان انتفع بهما الناس في شؤون الزراعات كمواعيد البذر والحصاد ، وما ينفع منها في كل فصل من الفصول ، وفي الأمور المالية من بيع وشراء لآجال محدودة من شهور وسنين ، وفي تقدير الأعمار والآجال التي تقدمت ، وجاءت في أخبار الماضين ، والتي ستكون للحاضرين . وبعد أن ذكر أن الشمس والقمر طوع قدرته وقد جعل لهما النظم الدقيقة في الحسبان - أردفه انقياد العوالم الأرضية له فقال :
( وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ )
أي والزرع والشجر ينقادان للّه فيما أراد بهما طبعا كما ينقاد المكلف اختيارا ، فما اختلاف ثمرهما في الشكل والهيئة واللون والمقدار والطعم والرائحة ، إلا انقياد للقدرة التي أرادت ذلك .
( وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ )
أي وجعل العالم العلوي رفيع القدر ، إذ هو مبتدأ أحكامه ، ومتنزّل أوامره ونواهيه لعباده ، وسكن ملائكته الذين يهبطون بالوحي على أنبيائه ، وجعل نظم العالم الأرضي تسير على نهج العدل ، فعدل في الاعتقاد كالتوحيد ، إذ هو وسط بين إنكار الإله والشرك به ، وعدل في العبادات والفضائل والآداب ، وعدل بين القوى الروحية والبدنية ، فأمر عباده بتزكية نفوسهم وأباح لهم كثيرا من الطيبات لحفظ البدن ، ونهى عن الغلوّ في الدين والإسراف في حب الدنيا ، وهكذا ترى أن عدله شامل لكل ما في هذا العالم لا يغادر الصغير ولا الكبير منه .
( أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ )
أي فعل ذلك لئلا تعتدوا وتتجاوزوا ما ينبغي من العدل والنّصفة وجرى الأمور وفق ما وضع لكم من سنن الميزان في كل أمر ، فترقى شئونكم ، وتنتظم أعمالكم وأخلاقكم . ثم أكد هذا بقوله :