تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 109

مساهمون:

ص١٠٩
ثم الحب الذي عليه المعول في الغذاء في جميع البلاد ، فهو أتم نعمة لموافقته لمزاج الإنسان ، ومن ثم خلقه اللّه في سائر البلاد ، وجعل النخل في البلاد الحارة دون غيرها .
( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ )
أي فبأي النعم المتقدمة يا معشر الثقلين من الجن والإنس تكذبان ؟ والمراد من تكذيب آلائه كفرهم بربهم ، لأن إشراكهم آلهتهم به في العبادة دليل على كفرانهم بها ، إذ من حق النعم أن تشكر ، والشكر إنما يكون بعبادة من أسداها إليهم . والتعبير ( بالرب ) للإشارة إلى أنها نعم صادرة من المالك المربّى لهما الذي ينميهما أجساما وعقولا ، فهو الحقيق بالحمد والشكر على ما أولى وأنعم ، والعبادة له دون سواه . وقد كررت هذه الآية في واحد وثلاثين موضعا من السورة تقريرا للنعمة ، وتأكيدا للتذكير بها ، فتراه عدّد نعمه على الخلق وفصل بين كل نعمتين بما يذكرهم ويقررهم بها . وهذا أسلوب كثير الاستعمال في كلام العرب ، فترى الرجل يقول لمن أحسن إليه بنعمة وهو يكفر بها : ألم تكن فقيرا فأغنيتك ، أفتنكر هذا ؟ ألم تكن عريانا فكسوتك ؟ أفتنكر هذا ، ألم تكن خاملا فرفعت قدرك ، أفتنكر هذا ؟ . فكأنه سبحانه قال : ألم أخلق الإنسان . وأعلمه البيان . وأجعل الشمس والقمر بحسبان . وأنوّع الشجر . وأبدع الثمر . وأعممها في البدو والحضر ، لمن آمن بي وكفر . وأسقيها حينا بالمطر ، وآونة بالجداول والنّهر . أفتنكران ذلك أيها الإنس والجن ؟ . وقد جاء مثل هذا في أشعارهم : انظر قول مهلهل يرثى أخاه كليبا :
على أن ليس عدلا من كليب * إذا ما ضيم جيران المجير
على أن ليس عدلا من كليب * إذا خرجت مخبّأة الخدور
على أن ليس عدلا من كليب * إذا خيف المخوف من الثغور
على أن ليس عدلا من كليب * إذا ما خار جأش المستجير