و
في صحيح مسلم عن قتادة أن أنس بن مالك حدثهم قال : لما نزلت
« إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً
- إلى قوله :
فَوْزاً عَظِيماً »
مرجعه من الحديبية وهم يخالطهم الحزن والكآبة وقد نحروا الهدى بالحديبية ، قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، لقد أنزلت علىّ آية هي أحب إلىّ من الدنيا جميعها » .
هذا ، ولما كان لكل عامل ثمرة يجنيها من عمله ، وغاية يبتغيها منه - كان للنبوّة نهاية مطلوبة في هذه الحياة وثمرة تتبع هذه النهاية ، فنهاية أمر النبوة أن تلتئم الأمور ويجتمع شملها ، وتكمل نظمها التي تبنى عليها الحياة الهنية حتى يعيش العالم في طمأنينة وهدوء ، ولن يتم ذلك إلا بعد بث الدعوة والجهاد العلمي والعملي بقتال الأعداء وخضد شوكتهم ، ومتى تمّ هذا وأنقذ المستضعفون ودخل الناس في دين اللّه أفواجا كرها ثم طوعا انتظم أمر النبوة ، وأدى الرسول واجبه واستوجب أن يجنى ثمرة أعماله ، وهي :
( 1 ) مغفرة ما فرط من ذنبه مما يعدّ ذنبا بالنظر إلى مقامه الشريف .
( 2 ) تمام النعمة باجتماع الملك والنبوة بعد أن كانت له النبوة وحدها .
( 3 ) الهداية إلى الصراط المستقيم في تبليغ الرسالة ، وإقامة مراسم الرئاسة .
( 4 ) المنعة والعزة ونفاذ الكلمة ورهبة الجانب وحمى الذمار .
فهذا الفتح كان كفيلا بهذه الشؤون الأربعة ، فكأنه سبحانه يقول لرسوله :
لقد بلّغت الرسالة ، ونصبت في العمل ، وجاهدت بلسانك وسيفك ، وجمعت الرجال والكراع والسلاح ، وتلطفت وأغلظت ، وأخلصت في عملك ، وفعلت في وجيز الزمن ما لم ينله مثلك في طويله ، حتى تمّ ما ندبناك له ، فلتجن ثمار عملك ، ولتقرّ عينا بما آل إليه أمرك في الدنيا والآخرة .
الإيضاح
( إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً )
أي إنا فتحنا لك فتحا ظاهرا لا يختلج فيه شك بذلك الصلح الذي تم على يديك في الحديبية ، إذ لم يمض إلا القليل من الزمن حتى