فيها لم يخدم بعضهم بعضا ولم يسخّر أحد غيره ، وذلك مما يفضى إلى خراب العالم وفساد الدنيا ، ولم يستطع أحد أن يغيّر نظامنا ولا أن يخرج عن حكمنا .
وإذا كانوا قد عجزوا عن ذلك في أحوال الدنيا فكيف يعترضون علينا في منصب الرسالة ؟
وقصارى ذلك - إنا قسمنا بينهم أرزاقهم ، أفلا يقنعون بقسمتنا في أمر النبوة وتفويضها إلى من نشاء من خلقنا ؟ .
ثم علل ما سلف بقوله :
( وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ )
أي ورحمة ربك وفضله بالنبوة وما يتبعها من وحي وكتاب ينزل ، خير مما يجمعون من حطام الدنيا ، فالدنيا على شفا جرف هار ، ومظاهرها فانية لا قيمة لها ، فهو قد أغدقها على الدواب والأنعام وكثير من جهلة بني آدم .
ثم بين حقارة الدنيا وخستها بقوله :
( وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ . وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ . وَزُخْرُفاً )
أي ولولا أن يعتقد كثير من الجهلة أن إعطاءنا المال للكفار دليل على محبتنا لمن أعطيناه ، فيجتمعوا على الكفر ، ويرغبوا فيه ، إذا رأوا سعة الرزق عندهم - لجعلنا لبيوتهم سقفا من فضة ، ومصاعد من فضة ، وسررا من فضة ، عليها يتكئون ، وزينة في كل ما يرتفق به من شؤون الحياة .
ثم بين أن هذه المتعة قصيرة الأمد ، سريعة الزوال ، فهي متاع الحياة الفانية فقال :
( وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ )
أي وما كل ذلك إلا متاع قصير زائل ، والآخرة بما فيها من ضروب النعيم التي لا يحيط بها عدّ ولا إحصاء - أعدها اللّه لمن اتقى الشرك والمعاصي ، وعمل بطاعته ، وآثر الآخرة على الدنيا .