تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 84

مساهمون:

ص٨٤
ولم يفعل ذلك بالمؤمنين فيوسع عليهم جميعا ، ليكون سبب اجتماعهم على الإيمان العقيدة المنبعثة عن الاطمئنان النفسي ، لأنه لو فعل ذلك لاجتمعوا عليه طلبا للدنيا ، وهذا إيمان المنافقين ، ومن ثم ضيّق الرزق على بعض المسلمين ووسع على بعض ليكون من يدخله ، فإنما يدخله للدليل والبرهان وابتغاء رضوان اللّه ومثوبته .

الإيضاح

( وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ . إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ )
أي واذكر لقومك المكبّين على التقليد : كيف تبرأ إبراهيم من أبيه وقومه حين رآهم عاكفين على عبادة الأصنام ؟ قال لهم إني براء مما تعبدون إلا من عبادة اللّه الذي خلقني وخلق الناس جميعا ، وأنه سيهديني إلى سبيل الرشاد ، ويوفقني إلى اتباع الحق ، وقد جزم بذلك لثقته بربه ، ولقوة يقينه .
( وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ )
أي وجعل كلمة التوحيد وهي
( لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ ) *
كلمة باقية في ذريته يقتدى به فيها من هداه اللّه منهم ، لعل أهل مكة يرجعون عما هم عليه إلى دين أبيهم إبراهيم ، فإنهم إذا ذكروا أباهم الأعظم الذي بنى لهم البيت وأورثهم ذلك الفخر ، تبعوه فيما يدين به . قال قتادة : لا يزال من عقبه من يعبد اللّه إلى يوم القيامة . وقال ابن العربي : إنما كانت لإبراهيم في الأعقاب ، موصولة بالأحقاب ، بدعوتيه المجابتين : إحداهما قوله :
« إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ »
فقد قال إلا من ظلم منهم فلا عهد له . ثانيتهما قوله :
« وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ »
.
( بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ )
أي ولكني متعت هؤلاء المشركين وآباءهم من قبل ، ومددت أعمارهم ، وأكثرت نعمهم ، فشغلتهم النعم