تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 85

مساهمون:

ص٨٥
والترف والشهوات ، فأطاعوا الشيطان ونسوا كلمة التوحيد ، فجريت على سنتي أن أجعل في بنى إبراهيم من يوحّد اللّه ويدعو من كفر منهم إلى الإيمان ، فاخترت محمدا وأنزلت معه الكتاب ليدعو هؤلاء إلى ما فيه صلاحهم في دينهم ودنياهم ، وسعادتهم في آخرتهم وأولاهم . ثم وبخهم على إعراضهم عما جاء به من الحق وعدم النظر فيه فقال :
( وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافِرُونَ )
أي ولما جاءهم القرآن والرسول الصادق بما معه من المعجزات قالوا إن ما جاءنا به سحر وليس بوحي من عند اللّه وإنا به جاحدون ، فضموا إلى شركهم معاندة الحق والاستخفاف به . ثم ذكر ضربا آخر من كفرهم بقوله :
( وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ )
أي وقالوا إن منصب الرسالة منصب شريف ، فلا يليق إلا برجل شريف كثير المال عظيم الجاه ، ومحمد ليس بذاك ، فمن الحق أن يسند هذا المنصب إما إلى الوليد بن المغيرة بمكة أو إلى عروة ابن مسعود الثقفي بالطائف . فأنكر اللّه عليهم ذلك وجهّلهم وعجّب من حالهم بقوله :
( أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ )
أي عجبا لهم كيف جهلوا قدر أنفسهم ؟ أو قد بلغ من أمرهم أن يصطفوا من يشاءون للنبوة التي لا يصلح لها إلا من بلغ مرتبة روحانية خاصة ، وكان ذا فضائل قدسية وكمالات خلقية ، مستهينا بالزخارف الدنيوية التي انغمسوا فيها ؟ فهم ليسوا لها بأهل ، فضلا عن أن يهبوها لمن يشاءون . ثم بين خطأهم في طلب الاصطفاء بحسب ما يهوون فقال :
( نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا )
أي إننا في هذه الحياة فضلنا بعض العباد على بعض ، في الغنى والفقر ، والقوة والضعف ، والعلم والجهل ، والشهرة والخمول ، لأنا لو سوّينا بينهم