تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 83

مساهمون:

ص٨٣

المعنى الجملي

بعد أن ذكر سبحانه في الآية السالفة أن الذي دعا الكفار إلى اعتناق العقائد الزائفة هو تقليد الآباء والأجداد ، وبين أنه طريق باطل ، ونهج فاسد ، وأن الرجوع إلى الدليل أولى من التقليد - أردف هذا أن ذكر لهم أن أشرف آبائهم وهو إبراهيم عليه السلام ترك دين الآباء وحكم بأن اتباع الدليل أولى من متابعتهم ، فيجب عليكم تقليده ، وحين عدل عن طريق آبائه جعل اللّه دينه باقيا في عقبه إلى يوم القيامة ، وأديان آبائه درست وبطلت . ثم ذكر أن قريشا وآباءهم مدّ لهم في العمر والنعمة ، فاغتروا بذلك واتبعوا الشهوات ، وأعرضوا عن توحيد اللّه وشكره على آلائه ، حتى جاءهم الرسول منبها لهم مذكرا بالنظر إلى من فطرهم وفطر السماوات والأرض وآتاهم من فضله ما يتمتعون به من زينة هذه الحياة ، فكذبوه وقالوا ساحر كذاب ، ثم حكى عنهم أنهم قالوا : هلا نزّل هذا القرآن على رجل عظيم الجاه كثير المال من إحدى القريتين مكة والطائف ، فرد عليهم مقالهم ، بأنه قسم الحظوظ الدنيوية بين عباده ، فجعل منهم الغنى والفقير ، والسيد والمسود ، والملوك والسّوقة ، والأقوياء والضعفاء ، ولم يغير أحد ما حكم به في أحوال دنياهم على حقارتها ، فكيف يعترضون على حكمه فيما هو أرفع درجة ، وأشرف غاية ، وأعظم مرتبة ، وهو منصب النبوة ؟ . ثم ذكر أن التفاوت في شؤون الدنيا هو الذي يتمّ به نظام المجتمع والسير به على النهج القويم ، فلولاه ما صرّف بعضهم بعضا في حوائجه ، ولا تعاونوا في تسهيل وسائل المعيشة ، ثم أعقب هذا ببيان أنه لولا أن يرغب الناس في الكفر إذا رأوا الكفار في سعة من الرزق لمتعهم بكل وسائل النعيم ، فجعل لبيوتهم أبوابا من فضة وسقفا وسررا ومصاعد منها وزينة في كل شئ ، ولكن كل هذا متاع قليل زائل والآخرة هي الباقية ؛ وهي لمن يتقى اللّه ويجتنب الكفر والمعاصي .