تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 38

مساهمون:

ص٣٨
( قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ )
أي قل أيها الرسول لهذا المشرك القائل لك : من يحيى العظام وهي رميم ؟ يحييها الذي ابتدع خلقها أول مرة ولم تكن شيئا وهو العليم بالعظام ، وأين تفرقت في سائر أقطار الأرض ؟ وأين ذهبت ؟ لا يخفى عليه شئ من أمر خلقه ، فهو يعيده على النمط السابق والأوضاع التي كان عليها مع قواه السالفة . وكان الفيلسوف الإسلامي الملقّب بالفارابي يقول . وددت لو أن أرسطو وقف على القياس الجلىّ في قوله تعالى :
( قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها )
الآية ، إذ تفصيله : اللّه أنشأ العظام وأحياها أول مرة ، وكل من أنشأ شيئا أولا قادر على إنشائه وإحيائه ثانيا - ونتيجة هذا - اللّه قادر على إنشائها وإحيائها بقواها ثانيا ا ه . ولا شك أن الفارابي إنما يريد القياس الذي يفهمه اليوناني باصطلاحه المنطقي ، وإلا ففي الآية قياس فهمه العربي على أسلوبه في التخاطب الذي يجرى عليه ويقتنع به ، ولكل أمة أساليب في الإقناع والحجاج تسير عليها وتسلك سبيلها ، وقد اقتنع الكثير من العرب بما جاء به في هذا ، ومن جحد فإنما فعل ذلك عنادا واستكبارا . ثم ذكر دليلا ثانيا يرفع استبعادهم ويبطل إنكارهم فقال :
( الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ )
أي وهو الذي بدأ خلق الشجر من ماء حتى صار أخضر ناضرا ثم أعاده إلى أن صار حطبا يابسا توقد به النار ، ومن فعل ذلك فهو قادر على ما يريد لا يمنعه شئ ، إذ من أحدث النار في الشجر الأخضر على ما فيه من المائية المضادة للاحتراق ، فهو أقدر على إعادة الغضاضة إلى ما كان غضّا فيبس وبلى . ثم زكى ذلك بدليل ثالث على قدرته أعجب من سابقيه فقال :
( أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ ؟ بَلى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ )
يقول تعالى منها هذا الكافر الذي قال : من يحيى العظام وهي رميم ؟