تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 51

مساهمون:

ص٥١
ومقصده عليه السلام بهذا طلب دفع بلوى قتله ، خوف فوت أداء الرسالة ونشرها بين الملأ كما هو دأب أولى العزم من الرسل ، فقد كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يتوقع مثل هذا حتى نزل قوله تعالى :
« وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ »
. وفي هذا إيماء إلى أن الخوف قد يحصل من الأنبياء كما يحصل من غيرهم . والخلاصة - إن موسى طلب من ربه أمرين : دفع الشر عنه ، وإرسال هارون معه ، فأجابه إليهما .
( قالَ كَلَّا فَاذْهَبا بِآياتِنا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ )
أي قال له : لا تخف من شئ من ذلك ، فاذهب أنت وأخوك متعاضدين إلى ما أمرتكما به مؤيّدين بآياتنا الدالة على صدقكما ، وإني ناصركما ومعينكما عليه ، وهذا كقوله :
« إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى »
.
( فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ . أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ )
أي فأتياه وقولا له : إن اللّه أرسلنا إليك لتطلق سبيل بني إسرائيل وتخلّيهم وشأنهم ، ليذهبوا إلى الأرض المقدسة موطن الآباء والأجداد التي وعدنا اللّه بها على ألسنة رسله ، وكانوا قد استعبدوا أربعمائة سنة . قال القرطبي : فانطلقا إلى فرعون فلم يأذن لهما سنة في الدخول عليه ا ه . ووحّد الرسول هنا ولم يثنه كما جاء في قوله :
« إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ »
لأن رسولا يستعمل للمفرد وغيره كما قال الشاعر :
لقد كذب الواشون ما بحت عندهم * بسرّ ولا أرسلتهم برسول
كما يستعمل كذل عدوّ وصديق كما جاء في قوله :
« فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي »
. فأجابه فرعون على وجه التفريع والازدراء وذكر أمرين كما حكى سبحانه عنه : ( 1 ) ( قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك ستين ؟ ) أي أبعد أن ربيناك في بيوتنا ولم نقتلك في جملة من قتلنا ، وأنعمنا عليك بنعمنا ردحا من الزمن تقابل الإحسان بكفران النعمة ، وتواجهنا بمثل تلك المقالة ؟ . روى أنه لبث فيهم ثماني عشرة سنة ، وقيل ثلاثين سنة .
تفسير المراغي — صفحة 51 | أحمد مصطفى المراغي