تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 50

مساهمون:

ص٥٠
وذبح أبنائهم - قوم فرعون ذي الجبروت والطغيان ، والعتوّ والبهتان ، ليكون لهم في ذلك عبرة لو تذكروا ، فيرعووا عن غيهم ، ويثوبوا إلى رشدهم ، حتى لا يحيق بهم ما حاق بأولئك المكذبين من قبلهم ، إذ ابتلعهم اليم وأغرقوا جميعا . ولا شك أن الأمر بذكر الوقت إنما هو ذكر لما جرى فيه كما أسلفنا من قبل . ثم أتبع ذكر إرساله عليه السلام إنذارهم وتسجيل الظلم عليهم وتعجيب موسى من حالهم التي بلغت غاية الشناعة ومن أمنهم العواقب وقلة خوفهم وحذرهم من أيام اللّه فقال :
( أَ لا يَتَّقُونَ ؟ )
أي قال اللّه لموسى : ألا يتقى هؤلاء القوم ربهم ويحذرون عاقبة بغيهم وكفرهم به . فأجاب موسى عن أمر ربه الإتيان إليهم متضرعا إليه :
( قالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ ، وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي )
أي قال موسى : رب إني أخاف تكذيبهم إياي ، فيضيق صدري تأثرا منه ولا ينطلق لساني بأداء الرسالة ، بل يتلجلج بسبب ذلك ، كما يرى أن كثيرا من ذوى اللسن والبلاغة إذا اشتد بهم الغم وضاق منهم الصدر تلجلجت ألسنتهم حتى لا تكاد تبين عن مقصدهم . وفي هذا تمهيد العذر في استدعاء عون له على الامتثال وإقامة الدعوة على أتم وجه ، فإن ما ذكر ربما أوجب الإخلال بالدعوة ، وعدم إلزام الحجة ومن ثم قال :
( فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ )
أي فأرسل جبريل عليه السلام إلى هارون ، واجعله نبيا ، وآزرنى به واشدد به عضدي ، فبإرساله تحصل أغراض الرسالة على أتم وجه . ثم ذكر سببا آخر في الحاجة إلى طلب العون وهو خوفه أن يقتل قبل تبليغ الرسالة فقال :
( وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ )
أي ولهم علىّ تبعة جرم بقتل القبطي خباز فرعون بالوكزة التي وكز بها ، فأخاف إن أنا جئتهم وحدى أن يقتلوني من جرّاء ذلك - وهذا اختصار لما بسط من القصة في موضع آخر .