تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 52

مساهمون:

ص٥٢
( 2 )
( وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ )
أي وقتلت ذلك القبطي الذي وكزته وهو من خواصى ، فكنت من الجاحدين لنعمتى عليك من التربية والإحسان إليك . وخلاصة ما سلف - إنه عدد نعماءه عليه أولا من تربيته وإبلاغه مبلغ الرجال ثم بتوبيخه بما جرى على يديه من قتل خبازه وهو من خواصه ، وهو بهذا أيضا يكون قد كفر نعمته وجحد فضله . فأجاب موسى عن الأمر الثاني ، وترك أمر التربية ، لأنها معلومة مشهورة ، ولا دخل لها في توجيه الرسالة ، فإن الرسول إذا كان معه حجة ظاهرة على رسالته تقدم بها إلى المرسل إليهم ، سواء أكانوا أنعموا عليه أم لم ينعموا .
( قالَ فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ )
أي قال موسى مجيبا فرعون : فعلت هذه الفعلة التي ذكرت وهي قتل القبطي وأنا إذ ذاك من الجاهلين بأن وكزني تأتى على نفسه ، فإني إنما تعمدت الوكز للتأديب ، فأدى ذلك إلى القتل .
( فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ )
أي فخرجت هاربا منكم حين توقعت مكروها يصيبني حين قيل لي :
« إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ »
فوهب لي ربى علما بالأشياء على وجه الصواب ، وجعلني من المرسلين من قبله لهداية عباده وإرشادهم إلى النجاة من العذاب . وخلاصة ما قال - إن القتل الذي توبخنى به لم يكن مقصودا لي ، بل كنت أريد بوكزه التأديب فحسب ، فلا أستحق التخويف الذي أوجب فرارى ، وإن أنتم أسأتم إلىّ فقد أحسن إلىّ ربى فوهب لي فهم الأمور على حقائقها وجعلني من زمرة عباده المخلصين . ثم بين له أنه وإن أسدى النعمة إليه فقد أساء إلى شعبه عامة فقال :
( وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ )
يقال عبّدت الرجل وأعبدته إذا اتخذته عبدا ، وتمنّ من المنة بمعنى الإنعام : أي وما أحسنت إلىّ وربيتنى إلا وقد أسأت إلى بني إسرائيل جملة ، فجعلتهم عبيدا وخدما تصرفهم في أعمالك وأعمال رعيتك الشاقة .
تفسير المراغي — صفحة 52 | أحمد مصطفى المراغي