تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 149

مساهمون:

ص١٤٩
وقد روى عن ابن عباس أن الكلمة الطيبة هي قول « لا إله إلا اللّه » وأن الشجرة الطيبة : هي النخلة ، وعن ابن عمر قال « كنا عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم فقال : أخبروني عن شجرة تشبه الرجل المسلم لا يتحاتّ ورقها لا صيفا ولا شتاء وتؤتى أكلها كل حين بإذن ربها . قال ابن عمر فوقع في نفسي أنها النخلة ، ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلمان ، فكرهت أن أتكلم ، فلما لم يقولوا شيئا قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : النخلة . فلما قمنا قلت لعمر : يا أبتاه ، واللّه لقد كان وقع في نفسي أنها النخلة ، قال ما منعك أن تتكلم ؟ قلت لم أركم تتكلمون ، فكرهت أن أتكلم أو أقول شيئا ، قال عمر : لأن تكون قلتها أحبّ إلىّ من كذا وكذا » رواه البخاري . ثم نبه سبحانه إلى عظم هذا المثل ليكون ذلك داعية تدبره ومعرفة المراد منه فقال :
( وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ )
أي إن في ضرب الأمثال زيادة إفهام وتذكير للناس ، لأن أنس النفوس بها أكثر ، فهي تخرج المعنى من خفىّ إلى جلىّ ، ومما يعلم بالفكر إلى ما يعلم بالاضطرار والطبع ، وبها يطبق المعقول على المحسوس فيحصل العلم التام بالشيء الممثل له .
( وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ )
أي ومثل كلمة الكفر وما شاكلها مثل شجرة خبيثة كالحنظل ونحوه مما ليس له أصل ثابت في الأرض ، بل عروقها لا تتجاوز سطحها ، وقد اقتلعت من فوق الأرض ، لأن عروقها قريبة منه ، أو لا عروق لها في الأرض ، فكما أن هذه لا ثبات لها ولا دوام ، فكذلك الباطل لا يدوم ولا يثبت ، بل هو زائل ذاهب ، وثمره مرّ كريه كالحنظل . وما أقوى الحق وأثبته ، وأكثر نفعه للناس ، فهو ثابت الدعائم متين الأركان ، وما كل حين كالنخل . والخلاصة - إن أرباب النفوس العالية وكبار المفكّرين هم أصحاب الكلمة الطيبة ، وعلومهم تعطى أممهم نعما ورزقا في الدنيا ، وهي مستقرة في نفوسهم ، وفروعها ممتدة