تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢

المعنى الجملي

بعد أن ضرب عز اسمه الأمثال بيانا لحالى الفريقين ، وذكر ما يلهمه من التوفيق في الدارين للسعداء ، وما ينال الأشقياء من الخذلان والإضلال ، جزاء ما كسبت أيديهم من تدسيتهم لأنفسهم باجتراحهم للشرور والآثام ، وبين أن كل ذلك يفعله على حسب ما يرى من الحكمة والمصلحة . ذكر هنا الأسباب التي أوصلتهم إلى سوء العاقبة معجبا رسوله مما صنعوا من الأباطيل التي لا تكاد تصدر ممن له حظّ من الكفر والنظر ، ولم تكن هذه الطامة خصّيصى بهم ، بل كانت فتنة شعواء عمتهم جميعا « واتّقوا فتنة لا تصيبنّ الّذين ظلموا منكم خاصّة » . ذاك أنهم بدلوا النعمة كفرا ، والشكر جحدا وإنكارا ، وليت البليّة كانت واحدة بل أضافوا إليها أخرى فاتخذوا اللّه الأنداد والشركاء ، ثم ثلّثوا بإضلال غيرهم فكانوا دعاة الكفر وأعوان الفتنة :
فلو كان همّ واحد لاحتملته * ولكنه هم وثان وثالث
ومن ثم كانت عاقبتهم التي لا مرد لها العذاب الأليم في جهنم وبئس المصير ؛ ثم بين لرسوله أن مثل هؤلاء لا تجدى فيهم العظة ، فذرهم يتمتعوا في هذه الحياة حتى حين ، ثم لا بد لهم من النصيب المحتوم . وبعد أن أمر الكافرين على سبيل الوعيد والتهديد بالتمتع بنعيم الدنيا ، أمر عباده المؤمنين بعدم المغالاة في التمتع بها ، والجد في مجاهدة النفس والهوى ، ببذل النفس والمال في كل ما يرفع شأنهم ، ويقرّبهم من ربهم ، وينيلهم الفوز لديه في يوم لا تنفع فيه فدية ولا صداقة ولا خلة : « يوم لا ينفع مال ولا بنون إلّا من أتى اللّه بقلب سليم » . أخرج عطاء عن ابن عباس أن هؤلاء هم كفار مكة . وأخرج الحاكم وابن جرير والطبراني وغيرهم عن علي كرم اللّه وجهه أنه قال في هؤلاء المبدّلين : هم الأفجران من قريش بنو أمية وبنو المغيرة ، فأما بنو المغيرة فقطع اللّه تعالى دابرهم يوم بدر ، وأما بنو أمية فمتعوا إلى حين .