تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨
لباس الحسيات ، ليكون أوقع في النفس وأتم لدى العقل ، والأمثال لدى العرب هي المهيع المسلوك ، والطريق المتبع ، لإيضاح المعاني إذا أريد تثبيتها لدى السامعين ، والقرآن الكريم ملئ بها ، والسنة النبوية جرت على منهاجه ، فكثيرا ما تتبع المسائل الهامة بضرب الأمثال لها ، لتستقر في النفوس ، وتنقش في الصدور .

الإيضاح

( أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا )
أي ألم تعلم أيها الإنسان علم اليقين ، كيف ضرب اللّه مثلا ووضعه الموضع اللائق به .
( كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ . تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها )
أي إن اللّه جلت قدرته شبه الكلمة الطيبة وهي الإيمان الثابت في قلب المؤمن الذي يرفع به عمله إلى السماء كما قال :
« إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ »
وتنال بركته وثوابه في كل وقت ، فالمؤمن كلما قال لا إله إلا اللّه صعدت إلى السماء وجاءت بركتها وخيرها - بالشجرة الطيبة المثمرة الجميلة المنظر الشذّية الرائحة التي لها أصل راسخ في الأرض به يؤمن قلعها وزوالها ، وفروعها متصاعدة في الهواء ( فيكون ذلك دليلا على ثبات الأصل ورسوخ العروق ، وعلى بعدها عن عفونات الأرض وقاذورات الأبنية ) فتأتي الثمرة نقية خالية من جميع الشوائب ، وتثمر في كل حين بأمر ربها وإذنه ، وإذا اجتمع لهذه الشجرة كل هذه المميزات كثر رغبة الناس فيها . وخلاصة ذلك - إنه تعالى شبه كلمة الإيمان بشجرة ثبتت عروقها في الأرض ، وعلت أغصانها إلى السماء ، وهي ذات ثمر في كل حين ، ذاك أن الهداية إذا حلت قلبا فاضت منه على غيره ، وملأت قلوبا كثيرة ، فكأنها شجرة أثمرت كل حين ، لأن ثمراتها دائمة لا مقطوعة ولا ممنوعة ، وكل قلب يتلقى عما يشاكله ، ويأخذ منه بسرعة أشد من سرعة إيقاد النار في الهشيم ، أو سريان الكهرباء في المعادن ، أو الضوء في الأثير .
تفسير المراغي — صفحة 148 | أحمد مصطفى المراغي