وعقيدة التثليث وألوهية المسيح مع مخالفتهما للعقل ليس لهما أصل في كتب الأنبياء لا قطعي ولا ظني ، وكتب العهد الجديد كذلك ليست نصا فيهما ؛ على أن هذه لا يوثق بها ، فإن النصارى قد أضاعوا أكثر ما كتب من إنجيل المسيح في عصره ، ثم رفضت مجامعهم الرسمية بعد دخول التعاليم الوثنية فيهم من قبل الرومانيين أكثر ما وجد عندهم من الأناجيل التي كانت تعد بالعشرات واعتمدت أربعا منها فحسب ، وهذا مصداق قوله تعالى
« وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ »
.
( ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ )
أي هذا الذي قالوه في عزير والمسيح قول تلوكه الألسنة في الأفواه ، لا يؤيده برهان ولا يتجاوز حركة اللسان ، بل البرهان دالّ على عكسه لاستحالة إثبات الولد لمن هو برئ عن الحاجة واتخاذ الصاحبة .
وفي معنى الآية قوله :
« وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً . ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ ، كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ ، إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً »
.
( يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ )
أي يشابهون فيها قول الذين كفروا من قبلهم وهم مشركو العرب الذين قالوا مثل هذا القول ، إذ قالوا : الملائكة بنات اللّه .
وقد علم من تاريخ قدماء الوثنيين في الشرق والغرب أن عقيدة الابن للّه والحلول والتثليث كانت معروفة عند البراهمة والبوذيين في الهند والصين واليابان وقدماء الفرس والمصريين واليونان والرومانيين ، فبيان القرآن الكريم لهذه الحقيقة التي لم يكن أحد من العرب ولا ممن حولهم يعرفها - بل لم تظهر إلا في هذا الزمان - معجزة من معجزاته الكثيرة التي تظهر على مر الزمان ، وتصدّقها المشاهدة والعيان .
( قاتَلَهُمُ اللَّهُ )
تعجب من شناعة قولهم ، وقد شاع استعمالها في ذلك ، وتستعمل في المدح أيضا فيقال : قاتله اللّه ما أفصحه . وأخرج ابن جرير عن ابن عباس أن المراد لعنهم اللّه .
( أَنَّى يُؤْفَكُونَ ؟ )
أي كيف يصرفون توحيد اللّه وتنزيهه ، وبه تجزم