تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 101

مساهمون:

ص١٠١
العقول ، وبلّغه عن اللّه كل رسول - إلى قول لا يقبله عقل ، فما المسيح وعزير إلا مخلوقان من مخلوقات اللّه الذي خلق هذا الكون العظيم ودبّر أمره ، ولا ينبغي لواحد من هذه المخلوقات أن يجعل لخالقه ومدبر شؤونه ولدا من جنسه ، مع علمه بأنه كان يأكل ويشرب ويتعب ويتألم
« وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ »
. ثم فصل قوله قبل يضاهئون قول الذين كفروا من قبل بقوله :
( اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ )
أي اتخذ كل من اليهود والنصارى رؤساء الدين فيهم أربابا ، فاليهود اتخذوا أحبارهم وهم علماء الدين أربابا بما أعطوهم من حق التشريع فيهم وإطاعتهم فيه ، والنصارى اتخذوا قساوستهم ورهبانهم : أي عبادهم الذين يخضع لهم العوام أربابا كذلك . والرهبان عند النصارى أدنى طبقات رجال الدين ، فاتخاذهم أربابا يقتضى بالأولى أن يتخذوا من فوقهم من الأساقفة والمطارنة والبطاركة ، إذ الرهبان يخضعون لتشريع هؤلاء الرؤساء مدونا كان أو غير مدون ، والعوام يخضعون لتشريع الرهبان ولو غير مدون ، سواء قالوه تبعا لمن فوقهم أو من تلقاء أنفسهم لثقتهم بدينهم . وانفرد النصارى باتخاذهم المسيح ربا وإلها يعبدونه ، ومنهم من يعبد أمه عبادة حقيقية ويصرحون بذلك ، وجميع الكاثوليك والأرثوذكس يعبدون تلاميذه ورسله وغيرهم من القديسين في عرفهم ، ويتوسلون بهم ، ويتخذون لهم الصور والتماثيل في كنائسهم ، ولكنهم لا يسمون هذا عبادة . واليهود لم يقتصروا في دينهم على أحكام التوراة ، بل أضافوا إليها من الشرائع ما سمعوه من رؤسائهم من قبل أن يدوّنوه في المشنة والتّلمود ، ثم دونوه فكان هو الشرع العام وعليه العمل عندهم . والنصارى غيّر رؤساؤهم جميع أحكام التوراة الدينية والدنيوية واستبدلوا بها شرائع أخرى في العبادات والمعاملات جميعا ، وزادوا حق مغفرة الذنوب لمن شاءوا
تفسير المراغي — صفحة 101 | أحمد مصطفى المراغي