تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 105

مساهمون:

ص١٠٥
إعلانه لك ، فهم يظهرون أنهم يسألون مسترشدين طالبين النصر بقولهم
( هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ )
ويبطنون الإنكار والتكذيب .
( يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا )
أي يقولون لو كان أمر النصر والظفر بأيدينا كما ادعى محمد أن الأمر كله للّه ولأوليائه ، وأنهم الغالبون لما غلبنا ، ولما قتل من المسلمين من قتل في هذه المعركة . وهذا منهم تقرير لرأيهم واستدلال عليه بما وقع لهم ، وقد غفلوا عن أن الآجال محدودة ، والأعمار موقوتة بوقت لا تعدوه ، ومن ثم أمر اللّه نبيه أن يجيبهم بقوله :
( قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ )
أي لو كنتم في بيوتكم ولم تخرجوا للقتال - لخرج من بينكم من انتهت آجالهم وثبت في علم اللّه أنهم يقتلون إلى حيث يقتلون ويسقطون في البراز ( الأرض المستوية ) فتكون مصارع ومضاجع لهم . والخلاصة - إن الحذر لا يدفع القدر ، والتدبير لا يقاوم التقدير ؛ فالذين قدر عليهم القتل لا بد أن يقتلوا على كل حال ، وإلا انقلب علم اللّه جهلا ، فقتل من قتل إنما جاء لانتهاء آجالهم كما قدر ذلك في اللوح المحفوظ ، وكتب مع ذلك أنهم هم الغالبون ، وأن العاقبة لهم ، وأن دين الإسلام سيظهر على الدين كله .
( وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ )
أي وقد فعل ذلك ليكون القتل عاقبة من انتهت آجالهم ، وليمتحن ما في صدور المؤمنين من الإخلاص وعدمه ، فيظهر ما انطوت عليه من ضعف وقوة ، ويمحص ما في قلوبهم من وساوس الشيطان ، ويطهرها حتى تصل إلى الغاية القصوى من الإيقان . وقد قيل : لا تكرهوا الفتن ، فإنها حصاد المنافقين .
( وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ )
أي عليم بالأسرار والضمائر ، لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء . وفي هذا ترغيب وترهيب ، وتنبيه إلى أن اللّه غنى عن الابتلاء والامتحان ،
تفسير المراغي — صفحة 105 | أحمد مصطفى المراغي