تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 106

مساهمون:

ص١٠٦
وإنما يظهر ذلك على هذه الصورة لحكم يعلمها كمران المؤمنين على الصبر وتحمل المشاق وإظهار حال المنافقين ، لأن الحقائق قد تخفى على أربابها ، فينخدعون للشعور العارض بدون تمحيص ولا ابتلاء ، كما انخدع الذين تمنوا الموت من قبل أن يلقوه كما تقدم .
( إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا )
أي إن الرماة الذين أمرهم الرسول صلى اللّه عليه وسلم أن يثبتوا في أماكنهم ليدفعوا المشركين عن ظهور المؤمنين ، ما تركوا هذه المواقع إلا بإيقاع الشيطان لهم في الزلل واستجراره لهم بالوسوسة ، فإن الخطيئة الصغيرة إذا ترخّص فيها الإنسان سهلت استيلاء الشيطان على نفسه ، فهم قد انحرفوا عن أماكنهم بتأوّل ، إذ ظنوا أنه ليس للمشركين رجعة من هزيمتهم ، فلا يترتب على ذهابهم وراء الغنائم فوات منفعة ولا وقوع في ضرر ، ولكن هذا التأويل كان سببا في كل ما جرى من المصائب التي من أجلها ما أصاب الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، والذنب يجر إلى الذنب ، كما أن الطاعة تجر إلى الطاعة ، وعلى هذا فالزلل الذي أوقعهم فيه الشيطان هو ما كان من الهزيمة والفشل بعد توليهم عن مكانهم طمعا في الغنيمة ، وهذا التولي هو بعض ما كسبوا . وفي هذا إيماء إلى سنة من سنن اللّه في أخلاق البشر وأعمالهم ، وهي أن المصائب التي تعرض لهم في خاصة أنفسهم أو في شؤونهم العامة ، إنما هي آثار طبيعية لبعض أعمالهم ، ولكن اللّه قد يعفو عن بعض الأعمال التي لا أثر لها في النفس وليست ملكة ولا عادة لها ، بل صدرت هفوة غير متكررة ، وهي التي عناها سبحانه بقوله :
« وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ » *
وإليها الإشارة بقوله :
« وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ »
. فهذه المصائب والعقوبات ، سواء أكانت في الدنيا أم في الآخرة - آثار طبيعية للأعمال السيئة .