المعنى الجملي
بعد أن بين سبحانه فيما سلف لعباده المؤمنين أن الهزيمة التي حلت بهم يوم أحد كانت بوسواس من الشيطان استزلهم به فزلوا - حذرهم هنا من مثل هذه الوسوسة التي أفسد بها الشيطان قلوب الكافرين .
الإيضاح
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا )
أي لا تكونوا أيها المؤمنون كأولئك المنافقين الذين قالوا في شأن إخوانهم حين سافروا في الأرض للتجارة والكسب فماتوا ، أو كانوا غزاة في وطنهم أو في بلاد أخرى فقتلوا : لو كانوا مقيمين عندنا ما ماتوا وما قتلوا .
وعبر عن هؤلاء المنافقين بالكافرين ، لبيان أن مثل هذا لا ينبغي أن يصدر من المؤمنين ، بل إنما يصدر من الكافرين ، إذ أن من مات أو قتل فقد انتهى أمره ، فقولهم ( لو كان كذا ) عبث لأن ما وقع لا يرتفع ، والحسرة عليه لا تفيد ، ومن شأن المؤمنين أن يكونوا صحيحي العقل والإدراك .
إلى أن في هذا القول جهلا بالدين وجحدا له فإن اللّه يقول :
« وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا »
.
وعقيدة القضاء والقدر لا تجعل المسلم مجبورا على أفعاله التي تصدر منه ، فإن القضاء تعلق العلم الإلهى بالشيء ، والعلم انكشاف لا يفيد الإلزام ، والقدر وقوع الشيء بحسب العلم ، والعلم لا يكون إلا مطابقا للواقع وإلا كان جهلا .
واللّه تعالى قد جعل للإنسان اختيارا في أعماله ، لكنه خلقه مع ذلك ناقص القدرة والإرادة والعلم ، فقد يعزم على العمل ثم تنفسخ عزيمته لتغير علمه بالمصلحة