عند المنفق عليه ، وإنما تنفقون لوجه اللّه ، فلا فرق بين فقير وفقير إذا كان مستحقّا يتقرب بإزالة ضرورته إلى الرزّاق الكريم الذي لم يحرم أحدا من رزقه لأجل عقيدته ، وهذا كقوله :
« كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً »
.
( وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ )
أي يوف إليكم في الآخرة لا تنقصون منه شيئا ، فأنتم على استفادتكم من الإنفاق في رقىّ أنفسكم ، وتثبيتها في مقامات الإيمان والإحسان ، وإرادة وجه اللّه وابتغاء مرضاته - لا يضيع عليكم ما تنفقون ، بل توفونه ولا تظلمون منه شيئا .
وفي هذا إرشاد من اللّه لعباده أن يكملوا أنفسهم ، ويبتغوا أن يراهم اللّه كملة يعملون الحسن لأنه حسن تتحقق به حكمته ، وتقوم به سنته في صلاح البشر .
ثم بين أحق الناس بالصدقة فقال :
( لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً )
أي اجعلوا ما تنفقون للذين ذكر اللّه صفاتهم الخمس التي هي من أجلّ الأوصاف قدرا :
( 1 ) الإحصار في سبيل اللّه ، والمراد به حبس النفس للجهاد أو العمل في مرضاة اللّه ، إذ هم لو اشتغلوا بالكسب لتعطلت المصلحة العامة التي أحصروا فيها ، وحبسوا أنفسهم لها ، وتجب نفقتهم في بيت المال ، ومنه الإحصار لتعلم الفنون العسكرية في العصر الحديث ، فإن حبس الشخص نفسه في الأعمال المشروعة التي تقوم بها المصالح العامة كالجهاد وطلب العلم ، وكان يستطيع الكسب في أوقات فراغه لم يحلّ له الأخذ من الصدقة .
( 2 ) العجز عن الكسب والضرب في الأرض للتجارة ونحوها بسبب المرض أو الخوف من العدو ، وهذا هو المقصود بقوله :
( لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ )
.