تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 51

مساهمون:

ص٥١
و روى أحمد وابن ماجة عن أبي هريرة أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « من سأل الناس أموالهم تكثرا فإنما يسأل جمرا ، فليستقلّ منه أو ليستكثر » . و روى أحمد والبخاري ومسلم عن أبي هريرة قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « لأن يغدو أحدكم فيحتطب على ظهره فيتصدّق منه ويستغنى به عن الناس ، خير له من أن يسأل رجلا أعطاه أو منعه » . فمن يعلم أنه يسأل لنفسه تكثرا كالشحاذين الذين جعلوا السؤال حرفة وهم قادرون على العمل - لا يعطي شيئا ، فقد رأى عمر رضى اللّه عنه سائلا يحمل جرابا فأمر أن ينظر فيه فإذا هو خبز ، فأمر أن يؤخذ منه ويلقى إلى إبل الصدقة . وقد روى أن هذه الآية نزلت في أهل الصّفة وهم أربعمائة من فقراء المهاجرين رصدوا أنفسهم لحفظ القرآن الكريم والجهاد في سبيل اللّه ، ولم يكن لأكثرهم مأوى ، لذلك كانوا يقيمون في صفّة المسجد ( موضع منه مظلّ ) وقد هاجروا بدينهم وتركوا أموالهم فحيل بينهم وبينها ، فهم محصورون في سبيل اللّه بهذه الهجرة ، ومحصورون بحبس أنفسهم على حفظ القرآن . وقد كان حفظه حينئذ من أفضل العبادات على الإطلاق ، لأنهم ما كانوا يحفظونه إلا للفهم والاهتداء والعمل به ، وحفظ الدين بحفظه ، وكانوا يحفظون بيان النبي صلى اللّه عليه وسلم له بسنته القولية وسنته العملية . و عن ابن عباس أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقف يوما على أصحاب الصفة ، فرأى فقرهم وجهدهم وطيب قلوبهم فقال : « أبشروا يا أصحاب الصفة ، فمن بقي من أمتي على النعت الذي أنتم عليه راضيا بما فيه فإنه من رفقائى » . ولا يحل لأهل التكايا ومشايخ الطرق أن يأكلوا أموال الناس ، لأنهم لم ينقطعوا لتعلم علم ولا غزو في سبيل اللّه ، بل قصارى أمر الأولين أن يأكلوا الصدقات والأوقاف ليعبدوا اللّه في هذه التكايا ، فهي لهم كالأديار للنصارى وهم فيها كالرهبان ، وإن كان بعضهم قد يتزوج .