تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 68

مساهمون:

ص٦٨
شيء وفعل ضدّه يأمر بضدّه فيحصل الغرضان من أمره . وإقامة الوجوه تمثيل لكمال الإقبال على عبادة اللّه تعالى ، في مواضع عبادته ، بحال المتهيّئ لمشاهدة أمر مهم حين يوجه وجهه إلى صوبه ، لا يلتفت يمنة ولا يسرة ، فذلك التّوجّه المحض يطلق عليه إقامة لأنّه جعل الوجه قائما ، أي غير متغاض ولا متوان في التّوجّه ، وهو في إطلاق القيام على القوّة في الفعل كما يقال : قامت السّوق ، وقامت الصّلاة ، وقد تقدّم في أوّل سورة البقرة [ 3 ] عند قوله :
وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ
ومنه قوله تعالى :
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً
[ الروم : 30 ] فالمعنى أنّ اللّه أمر بإقامة الوجوه عند المساجد ، لأنّ ذلك هو تعظيم المعبود ومكان العبادة ، ولم يأمر بتعظيمه ولا تعظيم مساجده بما سوى ذلك مثل التّعرّي ، وإشراك اللّه بغيره في العبادة مناف لها أيضا ، وهذا كما ورد في الحديث : « المصلّي يناجي ربّه فلا يبصقنّ قبل وجهه » فالنّهي عن التّعرّي مقصود هنا لشمول اللّفظ إياه ، ولدلالة السّياق عليه بتكرير الامتنان والأمر باللّباس : ابتداء من قوله :
لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما
[ الأعراف : 20 ] إلى هنا . ومعنى :
عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ
عند كلّ مكان متخذ لعبادة اللّه تعالى ، واسم المسجد منقول في الإسلام للمكان المعيّن المحدود المتّخذ للصّلاة وتقدّم عند قوله تعالى :
وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ
في سورة العقود [ 2 ] ، فالشّعائر التي يوقعون فيها أعمالا من الحجّ كلّها مساجد ، ولم يكن لهم مساجد غير شعائر الحجّ ، فذكر المساجد في الآية يعيّن أنّ المراد إقامة الوجوه عند التّوجّه إلى اللّه في الحجّ بأن لا يشركوا مع اللّه في ذلك غيره من أصنامهم بالنّية ، كما كانوا وضعوا ( هبل ) على سطح الكعبة ليكون الطّواف بالكعبة للّه ولهبل ، ووضعوا ( إسافا ونائلة ) على الصّفا والمروة ليكون السّعي للّه ولهما . وكان فريق منهم يهلّون إلى ( مناة ) عند ( المشلل ) ، فالأمر بإقامة الوجوه عند المساجد كلّها أمر بالتزام التّوحيد وكمال الحال في شعائر الحجّ كلّها ، فهذه مناسبة عطف قوله :
وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ
عقب إنكار أن يأمر اللّه بالفحشاء من أحوالهم ، وإثبات أنّه أمر بالقسط ممّا يضادها . وهذا الأمر وإن كان المقصود به المشركين لأنّهم المتّصفون بضدّه ، فللمؤمنين منه حظّ الدّوام عليه ، كما كان للمشركين حظّ الإعراض عنه والتّفريط فيه . والدّعاء في قوله :
وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
بمعنى العبادة أي اعبدوه كقوله :
إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ *
[ الأعراف : 194 ] . والإخلاص تمحيض الشّيء من مخالطة
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 68 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور